وفى المسلمين من تحوّل عن موقفه الذي أمره الرسول بالوقوف عنده، سواء كان للمسلمين النصر، أو كانت عليهم الهزيمة! وفى المسلمين من قاتل، وأبلى في القتال .. ثم حين استشعر الهزيمة انهزم، وأعطى العدوّ ظهره .. وفى جوانب المعركة، وعلى حواشيها .. كلام يدور، تحرّكه أفواه المنافقين، وتلتوى به ألسنتهم، وتتغامز معه عيونهم .. هذا، والنبىّ الكريم يسمع، ويرى كلّ هذا، ويسوؤه أن يكون في أصحابه هذا الذي يسمعه ويراه .. فيحزن لذلك ويأسى. وقد صفح الله عن المؤمنين وعفا عنهم، وشملهم جميعا برحمته وغفرانه .. وكان على النبىّ أيضا أن يصفح ويغفر .. فجاء أمر الله سبحانه وتعالى، يدعوه إلى الصفح ويغريه به، بعد أن يرى النبىّ الصورة الكريمة التي له عنده الله، والتي ينبغى أن يكون عليها، وأن يحتفظ بها على هذا الوضع العلوىّ الوضيء .. «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ... ولقد عفا الرسول عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في كل أمر ذى بال يعرض له.
ولكن النبىّ- وهو بشر- قد تطلع عليه صور من أحداث أحد، فتحرك أشجانا، وتثير أسى ..
فجاء قوله تعالى: «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ» - ليشنّع على الحقد، وليستبعد وقوعه من أي نبىّ من أنبياء الله، وليجعله جرما من أغلظ الجرائم، حتى ليلتزم صاحبه، ويصحبه إلى يوم القيامة، كما التزمه وصحبه في صدره، وبين جنبيه! وما أروع هذا العطف الإلهى الذي يفاض على النبىّ الكريم، وهو في مقام التأديب، والتحذير من أن يحمل قلبه غلا، وحقدا .. فلا يواجهه المولى سبحانه وتعالى بهذا الخطاب، ولا يلقاه به وحده- لطفا وكرما- بل يتجه الأمر إلى الأنبياء جميعا .. «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» فما أعظم هذا المقام، وما أكرم تلك المنزلة، التي نزلها محمد من منازل الرضوان والإحسان عند ربّه. [1]
الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، [والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان] وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته {الله أعلم حيث يجعل رسالته} .فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال: {وما كان لنبي أن يغل} أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته.
(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 629)