فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 849

الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفوا لهم. فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم [1] ...

وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة. وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين.

«وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..

وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه. فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم، أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه، وأن ينصروه ويحترموه. فلما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم، خاسوا بذلك العهد، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللّه وراء ظهورهم، يستوي في هذا النبذ كتاب اللّه الذي معهم، والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضا! وفي الآية ما فيها من سخرية خفية، يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم. فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب اللّه وراء ظهورهم مفهوما! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب. هم الذين عرفوا الرسالات والرسل. هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور .. وماذا صنعوا؟

إنهم نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم! والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم. ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة، تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا، ينضح بالكنود والجحود، ويتسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحة ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة. حركة الأيدي تنبذ كتاب اللّه وراء الظهور ... [2]

وقال تعالى: {فبِما نقْضِهِم مِّيثاقهُمْ وكُفْرِهِم بآياتِ اللّهِ وقتْلِهِمُ الأنْبِياء بِغيْرِ حقًّ وقوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بلْ طبع اللّهُ عليْها بِكُفْرِهِمْ فلا يُؤْمِنُون إِلاّ قلِيلًا} (155) سورة النساء

فبِسببِ نقْضِ هؤُلاءِ اليهُودِ لِلْمِيثاقِ الذِي واثقهُمُ اللهُ بِهِ، (إذْ أحلُّوا ما حرّم اللهُ، وحرّمُوا ما أحلّ اللهُ) .وبِسببِ كُفْرِهِمْ بآياتِ اللهِ ومُعْجِزاتِهِ الدّالّةِ على صِدْقِ أنْبِيائِهِ، وبِسببِ قتْلِهِمُ الأنْبِياء ظُلْمًا وعُدْوانًا واجْتِراءً على محارِمِ اللهِ، وبِسببِ قوْلِهِمْ: قُلُوبُنا مُغلّفةٌ بِغِطاءٍ لا يتيسّرُ معهُ وُصُولُ العِلْمِ والهُدى إليها (غُلفٌ) ... فبِسببِ جمِيعِ ما تقدّم مِن الاعْتِداءِ والتّجاوُزِ على أوامِرِ اللهِ وحُدُودِهِ وشرْعِهِ، فعل اللهُ بِهِمْ

(1) - تاريخ الرسل والملوك [2/ 356] قوي

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 296)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت