فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 849

ما فعل. ويقُولُ تعالى: إنّ قُلُوب هؤُلاءِ اليهُودِ ليْستْ مُغلّفةً، ولكِنّهُ تعالى طبع عليْها بِالكُفْرِ، فلا يصِلُ إليها إلاّ قلِيلٌ مِن الإِيمانِ (أوْ إنّهُ لا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاّ قلِيلُون) [1]

فى هذه الآية والآيات التي بعدها يحصى الله سبحانه وتعالى على اليهود ما ارتكبوا من خطايا، وما اقترفوا من آثام، حتى كان لهم من الله هذا العقاب الأليم الذي أخذهم به في الدنيا، وجعله ميراثا يقتسمه أبناؤهم من بعدهم، إذ كانت جرائمهم من الشناعة والهول بحيث لا يستقلّ بحملها جيل أو عدة أجيال .. بل إنها لو قسمت عليهم في أجيالهم السابقة واللاحقة لأحاطت بهم جميعا، ثم كان من فائضها ما يتسع لأمثالهم ..

فقد نقضوا مواثيق الله، وكفروا بآياته. وقتلوا رسله .. عدوانا وبغيا، حيث لا شبهة ولا مظنّة شبهة يقتل بها رسول من رسل الله، إذا قتل غيرهم من الناس، بحق أو بغير حق .. فما رسل الله إلّا رحمة من رحمته، وفضل من فضله، ونعمة من نعمه .. فالذى يدفع الرحمة، ويأبى الفضل، ويكفر بالنعمة، هو إنسان مبتلى في عقله، متّهم في إنسانيته فإذا تجاوز ذلك إلى أن يكون حربا على الرحمة والفضل والنعمة، فقل أي كائن هو .. ولكن لا تنسبه إلى عالم الإنسان أبدا! على أن الأمر لا يحتاج إلى بحث أو نظر، فقد حكم القوم على أنفسهم، ونطقوا بما ينطق به في شأنهم الوجود كله، ويدينهم به .. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: «وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ» أي مغلفة، مغلّقة، لا ينفذ إليها شىء من الحق والخير .. وهم إنما يقولون هذا القول في مجال الاستهزاء والسخرية، كما يقول من يتعالم: إنى جاهل .. ! والمغرور بماله، المدلّ بثروته: إنى فقير! بل إن أمرهم لأكثر من هذا، إذ ليس ما بقلوبهم مجرد غطاء يحجبها عن كل خير، كما ادعوا على أنفسهم استهزاء وتعاظما، ولو كان ذلك هو الذي بهم لكان لدائهم طب، ولعلتهم دواء! ولكنّ الذي بهم هو شىء لو عقلوه لبكوا كثيرا، ولضحكوا قليلا، بل لكانت حياتهم كلها بكاء موصولا، ودمعا جاريا، لما رماهم الله به من داء قتل كل معانى الإنسانية فيهم .. فإذا هم ناس وليسوا ناسا، أحياء وليسوا بالأحياء! انظر إلى قلوب هؤلاء القوم .. فهل تجد ما بها، هو حجاب كثيف مضروب عليها؟ أو غلاف صفيق اشتمل عليها واحتواها؟ وكلا .. «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها» .وإذن فداء هذه القلوب هو في كيانها ذاتها، وليس مادة غريبة غشيتها واحتوتها، بل هو الختم المحكم الذي ختمه الله عليها، فلا يخرج ما فيها من خبث ولا يدخل إليها ما في الحياة من حق وخير .. إنها ستظل هكذا مغلقة على ما فيها .. أشبه بالبركة الراكدة العفنة، لا تزداد مع الأيام إلا ركودا وعفنا، ولا تلد مع الزمن إلا العفن، والوباء! وقوله تعالى: «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» هو وصف لمن أفلت منهم من تلك اللعنة، استثناء من هذا الأصل الذي ينتسب إليه القوم جميعا .. وهو عدد قليل، لا يشفع لهذه الجماعة بالخروج من هذا الحكم المضروب عليها. [2]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 648، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 963)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت