اللّه - صلى الله عليه وسلم - مكة في عام الفتح ساجدا على ظهر دابته [1] - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم اللّه أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم .. فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها، ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها .. لماذا؟ تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» ..
عندئذ يرسل اللّه عليهم من السماء عذابا .. السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام! .. «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» ..
وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلما لأنفسهم بما أصابهم من عذاب اللّه ..
ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة. لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه. فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر اللّه، وتحقيق النذر، ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة. [2]
وقال تعالى: {وإِذْ قال مُوسى لِقوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمة اللّهِ عليْكُمْ إِذْ أنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعوْن يسُومُونكُمْ سُوء الْعذابِ ويُذبِّحُون أبْناءكُمْ ويسْتحْيُون نِساءكُمْ وفِي ذلِكُمْ بلاءٌ مِنْ ربِّكُمْ عظِيمٌ (6) وإِذْ تأذّن ربُّكُمْ لئِنْ شكرْتُمْ لأزِيدنّكُمْ ولئِنْ كفرْتُمْ إِنّ عذابِي لشدِيدٌ (7) وقال مُوسى إِنْ تكْفُرُوا أنْتُمْ ومنْ فِي الْأرْضِ جمِيعًا فإِنّ اللّه لغنِيٌّ حمِيدٌ (8) } [إبراهيم:6 - 8]
واذْكُرُوا يا بنِي إِسْرائِيل حِين آذنكُمْ ربُّكُمْ، وأعْلمكُمْ بِوعْدِهِ، فقال: لئْنِ شكرْتُمْ نِعْمتِي عليْكُمْ لأزِيدنّكُمْ مِنْها، ولئِنْ كفرْتُمْ النِّعم وسترْتُمُوها وجحدْتُمُوها، لأُعاقِبنّكُمْ عِقابًا شدِيدًا على كًفْرِها، ولأسْلُبنّكُمْ إِيّاها. (ويُحْتملُ أنْ يكُون المعْنى لِعِبارةِ:"وإِذْ تأذّن ربُّكُمْ"هُو: وإِذْ أقْسم ربُّكُمْ بِعِزّتِهِ وجلالِهِ وكِبْرِيائِهِ) .
وقال مُوسى لِقوْمِهِ حِينما عاندُوا وجحدُوا: إِنْ كفرْتُمْ نِعم اللهِ عليْكُمْ، أنْتُمْ وجمِيعُ منْ فِي الأرْضِ، فإِنّ ذلِك لنْ يضُرّ الله شيْئًا، وإنّهُ تعالى غنِيٌّ عنْ شُكْرِ عِبادِهِ لهُ، وهُو الحمِيدُ المحْمُودُ، وإِنْ كفرهُ منْ كفرهُ، وإِنّكُمْ لا تضُرُّون، بِالكُفْرِ والجُحُودِ، إِلاّ أنْفُسكُمْ لأنّكُمْ تحْرِمُونها بِذلِك مِنْ مزِيدٍ مِن الإِنْعامِ، وتُعرِّضُونها لِعذابِ اللهِ.
(1) - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ، وَقَالَ لَوْلاَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِى لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ".صحيح البخارى- المكنز [14/ 186] (4281) "
وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ، وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلّهِ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ حَتّى إنّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ وَاسِطَةَ الرّحْلِ. سيرة ابن هشام [2/ 405] حسن مرسل
وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ:"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا"دلائل النبوة للبيهقي [5/ 99] (1806) حسن لغيره -الرحل: ما يوضع على ظهر البعير للركوب =المتخشع: الخاضع المتذلل
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1850)