قصّ اللهُ تعالى خبر قوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثمُود، والأُممِ الأُخْرى المُكذِّبةِ، الذِين جائتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالحُججِ، والبراهِينِ القاطِعةِ على وحْدانِيِّةِ اللهِ، وعلى تصرُّفِهِ المُطْلقِ بِالكوْنِ، وعلى صِدْقِ ما جاءهُمْ بِهِ الأنْبِياءُ فقال: إِنّهُمْ كذّبُوا أنْبِياءهُمْ، وردُّوا عليْهِمْ قوْلهُمْ بِأفْواهِهِمْ، وقالُوا لهُمْ إِنّهُمْ كفرُوا بِما جاء بِهِ الرُّسُلُ، وإِنّهُمْ لفِي شكٍّ مُثِيرٍ لِلرّيْبِ مِمّا يدْعُونهُمْ إِليْهِ.
وقِيل إِنّ هذا التّعْبِير مثلٌ يُرادُ بِهِ أنّهُمْ لمْ يُؤْمِنُوا ولمْ يرُدُّوا جوابًا.
(وقِيل أيْضًا إِنّ معْناهُ أنّهُمْ وضعُوا أيْدِيهِمْ على أفْواهِهِمْ اسْتِغْرابًا واسْتِنْكارًا) .
(وقِيل أيْضًا إِنّ المعْنى هُو أنّهُمْ عضُّوا على أنامِلِهِمْ تغيُّطًا مِن الرُّسُلِ وكلامِهِمْ) [1] .
تأذّن ربكم: أي أذن، وحكم، وقضى .. وما قضى الله به هو أنه- سبحانه- يزيد الشاكرين لنعمه وأفضاله، نعما وأفضالا .. أما من كفر بالله، وبنعمه، فله عذاب شديد، وبلاء عظيم، في الدنيا والآخرة جميعا. قوله تعالى: «وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»
-أي إنّ كفر الكافرين لا يضرّ الله شيئا، كما أن إيمان المؤمنين لا ينفعه، فهو الغنى عن خلقه .. إذ كيف يخلقهم، ثم يحتاج إليهم؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
-وفى قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» - إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غنى عن عباده، ومع غناه، فإنه يتقبل من المؤمنين إيمانهم، ويحمده لهم، ويجزيهم عليه .. فضلا منه وكرما، وتنويها بشأن الطيبات من الأعمال، وتكريما للصالحين من عباده. [2]
واذكر لقومك حين قول موسى لقومه: يا قوم تذكروا إنعام الله عليكم إذ أنجاكم من فرعون وآله، حين كانوا يذيقونكم العذاب ويكلفونكم من الأعمال ما لا يطاق مع القهر والإذلال، ويذبحون أبناءكم ويبقون نساءكم على قيد الحياة ذليلات مستضعفات، وهذا رز من أشد الأرزاء، وأعظم ألوان البلاء، قال شاعرهم:
ومن أعظم الرزء فيما أرى ... بقاء البنات وموت البنينا
وفى ذلك التذكير عبرة لهم لو يعتبرون.
(وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) أي وفيما ذكر ابتلاء واختبار عظيم من ربكم لما فيه من نقمة التعذيب والإذلال وقتل الأولاد واستحياء البنات، ثم نعمة الإنجاء من كل ذلك العسف والقهر، فالابتلاء كما يكون بالنقمة يكون بالنعمة كما قال «وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» وقال: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» .
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) أي واذكروا يا بنى إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده فقال:
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1758، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 152)