فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 849

وفى قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» استدعاء لمن خذلتهم عزائمهم، وتخلى عنهم السداده والتوفيق، فمالوا إلى جانب الضالين والمشركين .. فهؤلاء لا يزال الطريق إلى الله مفتوحا لهم، ولا زالت رحمة الله ومغفرته تنتظرهم على أول الطريق، إن هم راجعوا أنفسهم، ونزعوا عما هم فيه من تردد وارتياب! وهنا وقفة لا بد منها مع «ثمّ» وهو حرف عطف للترتيب والتراخي .. وقد جاء مكررا ثلاث مرات في الحديث عن يوم حنين .. هكذا ..

«وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ .. ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... »

«ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ .. »

والعطف يثم هنا في هذه المواضع الثلاثة، أفاد أمرين:

أولهما: الترتيب الزمنى في وقوع هذه الأحداث .. فقد وقع المسلمون أولا في اضطراب وذعر، والتمسوا الخلاص مما هم فيه من بلاء، ولم يكن ذلك بالميسور لهم .. ثم كان الفرار وتولية الأدبار هما طريق النجاة .. ثم كان من الله توبة ومغفرة لمن فرّ منهم وولىّ المشركين دبره في القتال.

وثانيهما: التغاير بين وجوه هذه الأحداث المتعاطفة، بحيث يبدو أن عنصر الزمن لا بد أن يكون عاملا هنا في تحريك الأحداث، حتى تتغير وتبلغ الصورة التي جاءت عليها ..

والذي ينظر إلى الموقعة- موقعة حنين- من الظاهر، يجد أنها حدثا واحدا، متلاحم النسج، وأن ليس هناك أي فاصل زمنى يفصل بين مجريات الأمور في هذا الحدث .. فهى معركة واحدة، احتواها زمن واحد، لم يجاوز غدوة يوم .. ولكن الذي ينظر إلى المعركة نظرا أعمق وأرحب، يجد أنها لم تكن معركة واحدة، وإنما هى معارك متصلة، بدأت بمعركة هزم فيها المسلمون، ثم انتهت بمعركة كتب الله لهم فيها النصر ..

فالمعركة الأولى، لها حسابها وتقديرها، وحكمها، وهى الهزيمة المطلقة للمسلمين .. فقد أحاط بهم العدوّ، وأوقع في صفوفهم الفوضى والاضطراب ..

الأمر الذي يسلم إلى الهزيمة التي لا مفرّ منها .. ومع هذا، فإنه ما كان للمسلمين أن يفرّوا بأيّ حال كانوا عليه، وعلى أي تقدير يقدّرونه لنتائج المعركة .. فلتكن الهزيمة واقعة بهم، ولكن الذي كان يجب ألا يكون منهم، هو الفرار .. فهذا أمر لا يصحّ أن يقع من المسلمين في ميدان القتال، والله سبحانه وتعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..

فأى مسلم هذا الذي تحدّثه نفسه بالفرار من المعركة، وهو يعلم حكم الله فيمن يفرّ ويولّى العدوّ دبره؟

ولكن الذي حدث، هو أن المسلمين فرّوا، وولّوا الأدبار .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت