فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 849

ومن هنا كان هذا الأمر منهم حدثا غريبا، ما كان ينبغى أن يكون في ميدان القتال .. !

وهذا هو بعض السرّ في عطفه «بثم» على الحدث الذي قبله، وهو الضيق والكرب الذي ركب المسلمين في أول القتال .. وفى هذا ما يشعر بأن هذا الحدث- حدث الفرار- وإن كان قد وقع في ميدان القتال، هو حدث مستقلّ بنفسه، منقطع الصلة بما قبله، غير مترتب عليه .. وعطفه على ما قبله هو من عطف حدث على حدث، أو قصة على قصة، أو حال على حال! أما عطف قوله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» فهو كذلك عطف حال على حال، أو قصة على قصة .. وهذا ما يشعر بأن الحدث الأول، وهو الفرار والهزيمة، أمر قد وقع، وسوّى حسابه .. ثم بدأ أمر آخر، له حسابه الخاص به، وهو الممثل في تلك المعركة الجديدة التي دخل فيها المسلمون القتال مع العدوّ، بنفوس جديدة ومشاعر جديدة، بل قل وبأشخاص غير الأشخاص ومقاتلين غير المقاتلين .. إذ أنزل الله سكينته عليهم، ونزع لو كان قد استولى على قلوبهم من خوف وهلع، وأمدّهم بجنود من عنده، كانوا ردءا لهم، ويدا قوية ضاربة معهم، فكان لهم النصر والظفر ..

وأمّا عطف قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ» فكان من عطف حال على حال، وقصّة على قصّة، وشأن على شأن، وأن الصّلة التي بينه وبين ما قبله ليست صلة سبب ومسبّب، أو علة ومعلول .. ذلك أن ما كان يتوقعه المسلمون بعد فرارهم وتولّيتهم الأدبار، هو وقوع غضب الله عليهم في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة .. ولكن الذي حدث كان غير هذا، فقد عاد الله سبحانه وتعالى بفضله وإحسانه عليهم، وجاءهم برحمته ومغفرته، وتقبّل توبة التائبين منهم.

وقد جاءت رحمة الله ومغفرته إلى الذين فروا وولوا الأدبار في هذه الصورة المتراخية- وفى هذا ما يشعر بأن مغفرة الله ورحمته ما كانت لتنال هؤلاء الفارّين أبدا، وأنها إذ نالتهم في تلك المرّة، فإنها قد لا تنالهم بعدها .. لأن الحكم المسلّط على الفارّين الذين يولّون الأدبار في ميدان القتال هو الحكم المحكم الذي لا يردّ، وأن هذا الذي أصاب المسلمين الفارين من مغفرة ورحمة في هذا اليوم هو استثناء من أصل، ليس من الحتم أن يقع في كل حال تشبهه! [1]

جاءت هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهى والوعيد وأن الخير ولمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولى القربى من الكافرين، وفى إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولى القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب- إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يشترى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم

(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 725)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت