مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ البقرة: 146].
وقد تكلم أبو حامد الغزالي [1] عن آفات الحوار والجدل والمناظرة وأدبه فقال: التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه يرى رفيقه معينا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق [2] .
حقا إنه هدف نبيل ووسيلة شريفة، فهل يوجد في أدبيات الآخرين ما يضاهي هذه الأخلاق؟
2 -إعلاء كلمة الحق على الباطل:
لئن كان الحق هو ميزان العدل الذي تقوم عليه السماوات والأرض والحياة والأحياء، فيجب أن يكون هذا الحق غالبا، ويجب أن يكون عليه من البراهين والحجج ما يجعله عقيدة حية في النفوس والقلوب، عقيدة تحمل صاحبها على الالتزام بالحق والدفاع عنه بالنفس والنفيس؛ قال تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، وقال تعالى: {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
وهكذا يطمئن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلاء كلمته وهو في أشد الحاجة إلى العون والاطمئنان، وهو خارج مهاجر إلى المدينة المنورة، وهو يحاور صاحبه في الغار مختفيا، وفي تلك الأثناء ينزل عليه قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] وحياة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كلها، ومِنْ بعدِهم الدعاة الربانيون إنما هي دعوة وحوار وحجج وبراهين تؤدي إلى انتصار الحق، وإعلاء كلماته الخالدات؛ ولا يصلح للحق إلا أن يكون عاليًا؛ والفطرة السليمة تأبى الإذعان إلى الدون من كل شيء، و (( إن لصاحب الحق
(1) هو محمد بن محمد الطوسي، اشتغل بعلم الكلام والفلسفة، ثم اختار طريقة الصوفية، أما آخر حياته فأقبل على الحديث وأهله، مات سنة (505هـ) .
(2) إحياء علوم الدين للغزالي، مطبعة الحلبي، القاهرة، تحقيق: د. بدوي طبانة (1/ 42) . وينظر: (( الحوار وآدابه وتطبيقاته في التربية الإسلامية ) )خالد محمد المغامسي، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، الرياض، (1425هـ) .