فالمسلم يدعو الآخرين للخير والحق والهدى ويبذل من جهده ما يستطيع، ويحاور هذا ويجادل ذاك طمعا في الهداية وحبا في إشاعة الخير والمعروف بين الناس، حتى لو كان المسلم على يقين بأن أحدا لن يستجيب له ولن يلتفت إلى ما يدعو إليه، فإنه لا يقف عن دعوته وأداء رسالته؛ لأنه يؤدي واجبا يعذر بأدائه أمام الله رب العالمين، وهذا ما يوضحه ربنا تبارك وتعالى بقوله: {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] ، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، من أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» [1] .
وبهذا؛ يتميز سلوك المسلم الحضاري الذي لا يريد بعمله جزاء ولا شكورا، ولا تحركه المصلحة الشخصية ولا الربح المادي، ولا يدور في فلك عصبية ولا قومية ولا حزبية، وإنما هو صاحب فكر ومبدأ ورسالة يعمل لها بإخلاص، ولا يرجو على عمله ثوابا إلا من الله عز وجل.
وحري بمثل هذا السلوك المخلص المتجرد للحقيقة أن يؤتيَ أكله وثماره، وحري برسالة يحملها رجال مخلصون أوفياء متجردون أن يكتب لها الحياة والبقاء بإذن الله.
5 -إظهار سماحة الإسلام وتقبله للرأي الآخر [2] :
ومن أهم أهداف الحوار الإسلامي الكشف عن سماحة الإسلام وإظهار عظمة هذا الدين الرباني، فالإسلام، رغم كونه دين الله الخاتم، وقد قامت على صحته وسلامته من العوج البراهين والمعجزات الخارقات، وخضعت له العقول السليمة والأفكار المتجردة عبر قرون متتالية، فهو لا يُفرض بالقوة والإكراه فـ {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ، وقال: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] ، وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 1 - 6] .
وإنه عبر المسيرة التاريخية الإسلامية لم يحدث أن أكره المسلمون أحدًا على الدخول في الإسلام.
(1) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا شخص أغير من الله ) )ح (6866) ، ورواه مسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، ح (2755) اللفظ للبخاري.
(2) عالمية الإسلام، شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، (1999م) .