فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 579

فجعل من يدخل في ظلِّ الإسلام باقيًا على شريعته وعاداته عين الحرية والعدالة.

يقول ابن القيم -رحمه الله- في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] [1] : (( هذا نفي في معنى النهي، أي لا تُكرهوا أحدًا على الدّين .. نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام؛ فلما جاء الإسلام، أسلم الآباء وأرادوا إكراه الأولاد على الدّين، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك. حتى يختاروا الدخول في الإسلام ) ) [2] . والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر، وهذا ظاهر -على قول من يجوِّز أخذَ الجزية من جميع الكفار- فلا يكرهون على الدخول في الدين؛ بل إما أن يدخلوا في الدين، وإما أن يعطوا الجزية كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة -وإن استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان- ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده. بل أمره الله تعالى أن يفيَ لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} [التوبة: 7] ، ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرَّهم على دينهم؛ فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمنَّ على بعضهم وأجلى بعضهم وقتل بعضهم. وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين، لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله ونقضوا عهده؛ فعند ذلك، غزاهم في ديارهم -وكانوا هم يغزونه قبل ذلك- كما قصدوه يوم أحُدٍ ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.

والمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكره أحدًا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا وطوعًا. فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى، وأنه رسول الله حقًا؛ فهؤلاء أهل اليمن كانوا -أو كان أكثرهم- على دين اليهودية كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (( إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) ) [3] ، وذكر الحديث: ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة؛ وكذلك من أسلم لا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف، بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم، ومحاربة

(1) ويضاف كذلك قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 29] .

(2) ينظر في هذا تفسير الطبري، (4/ 546) .

(3) البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ح (1395) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ح (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت