فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 579

أهل الأرض لهم من غير سوط ولا نوط، بل تحملوا معاداة أقربائهم، وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن، مع ضعف شوكة المسلمين وقلة ذات أيديهم؛ فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام، لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال، ويتحمل أذى الكفار من ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه )) [1] .

ومن هنا جعل الإسلام أسباب الدخول فيه اختيارية دون إكراه أو إجبار، وجعل الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة أعلى درجات الإقبال على دين الله تعالى، وهذا ما وضحه ابن القيم فيما سبق ذكره.

وجعل الإسلام المناظرة مع المخالف خير وسيلة إقناع لفهم الإسلام، يقول الله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

وجعل ترك سبِّ معبودات الكفار وسيلة لحماية حقوق المخالف، وحتى لا يوقع في حق المسلمين كذلك. يقول الله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] [2] .

إذن لا يصح الإيمان بالإكراه، وطالما كان المخالف حرًا في دخول الإسلام فعليه الالتزام بشرائعه وقواعده، وألا يكون عضوًا شاذًا في المجتمع، بل عليه الحفاظ على حق المسلمين، والعمل على سلامة المجتمع والسعي لوحدة صفه، والمشاركة النافعة لنصرة المسلمين قولًا وفعلًا.

وعند التأمل في مكاسب الحوار الحضاري نجد أن أعظمها تحقيق الدعوة إلى الإسلام دون إكراه، فالمحاور المسلم الذي يسلك طرق الحوار الحضاري الصحيح، ويشارك في فعالياته؛ ينقل صورة الإسلام، ويدعو إليه، ويفتح بابه مشرعًا لمن أراد ولوجه والدخول إليه، وهذا من أعظم المكاسب وأكبرها {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 43] .

جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران في عقد الصلح معهم: (( ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم، وأرضهم وملتهم، وغايبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من

(1) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن قيم الجوزية، المكتبة القيمة، مصر، ط4 (1407هـ) ، تحقيق: أحمد حجازي، ص (37 - 38) .

(2) وللموضوع فروع كثيرة في أحكام المقاتلين والخارجين والمحاربين مذكورة في كتب الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت