والمتأمل للحياة الغربية لا يرى أبدًا الشعوب هناك حرة بلا قيد وإلا تحولت الحياة إلى عبث، ولا يوجد شعب على الأرض ليس عليه قيود شرعية أو وضعية.
لكن أصحاب هذه الدعاوى لا يقصدون الحرية إلا في جانب الاعتقاد من أجل تفتت العقيدة، وحرية السلوك لتدمير الأخلاق، فلا ينادون بالحرية كما بينها الإسلام مثلًا للشعوب المقهورة المغتصبة أرضها كفلسطين.
فمهما يرون من ظلم وإجرام، فهذا لا شأن لهم به فلليهود مطلق الحرية في التصرف للحفاظ على دولتهم الديمقراطية المزعومة.
فنحن أمام تميز ديني، ولغوي، وعرقي .. يجعلون المسلمين ودينهم آخر السطر ... وينسبون سبب كل رذيلة وتخلف - بحق أو بباطل - يرونه بيننا إلى الإسلام، ولولا الإسلام لعمت الديمقراطية والحرية .. هكذا، وهم أنفسهم الذين احتلوا الشعوب سنين طويلة، أذاقوهم فيها الذل والهوان، ونهب الثروات، والاستبداد، ثم تركوا بلاد المسلمين في أيدي من لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة من المنافقين الذين حكَّموا شرع أوربا لا شرع الله تعالى.
إذًا فالحرية والديمقراطية لها مقاسات تتسع وتضيق وفق الهوى [1] .
ولهذا نراهم يزينون الديمقراطية، لفظًا ومعنى، فإذا جئنا إلى الشورى والمساواة، اللذين هما أساس الحكم الإسلامي، رأيتهم يصدون عنها صدودًا، ويمنعون الناس عنها منعًا.
ولِمَ لا والفرد عندهم مقدس قبل الجماعة، فهو أكسيد أولًا وأخيرًا .. فلننظر كيف دحض الإسلام هذه المزاعم:
الحق في حرية الاعتقاد:
يقول الله تعالى: {وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] .
فهذه الآية وإن كان الظاهر منها التخيير إلا أن المراد منها التهديد والتخويف والوعيد، ولكن مع ذلك فإنه لا يجوز لأحد أن يجبر أحدًا على اعتناق أي دين قسرًا وإكراهًا [2] .
(1) ينظر: بيتر سكادت، أمريكا الكتاب الأسود، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1 (2003م) ، وينظر: أمريكا طليعة الانحطاط، روجيه غارودي، دار عطية للنشر، بيروت، ط1، (1998م) ، ترجمة: صباح الجهيم وميشيل خوري.
(2) ينظر: تفسير ابن كثير، مرجع سابق (5/ 154) ، وينظر: أضواء البيان، مرجع سابق (4/ 92) .