وكما قدم المسلمون صورًا من ثقافتهم للآخرين، فإنهم عايشوا ثقافة الآخرين، وذلك بقبول كل مواقف الإنسان الحياتية التي تعبر عن الرقي في حياة الأفراد والجماعات، مما يخدم حياتهم ويصلح شؤونهم ... وأدل الأمور على ذلك ما فعله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من تنظيمات حياتيه للمسلمين أدخلها عليهم من ثقافات الأمم الأخرى لما رأى - رضي الله عنه - أن المصلحة فيها للناس، وهذا لعمر الله من فقهه - رضي الله عنه - [1] .
وإذا كانت الثقافة هي التعبير عمّا توصلت إليه الأمم في شؤون حياتها، فإن آداب العرب وثقافات المسلمين وسلوكيات الأفراد والجماعات جسدت ثقافة حية متنوعة وعالمية، كونت مزيجًا رائعًا في تحرير الإنسان وتحريك عقله ونفسه وتعليقه بربه، الأمر الذي جعل المنصفين من الغرب يقرون بحضارة العرب [2] ، ويكتبون عنها بكل إنصاف، بل يصفون الإسلام بأنه: (الدين الثقافي العظيم) ، وما ذاك إلا بسبب هذا التواصل الحضاري الذي تبنته الثقافة الإسلامية، ولعل أبرز دليل على هذا الأمر أن الإسلام والمسلمين وصلوا بأنفسهم وثقافتهم إلى كل الدنيا، ومثلوا خمس العالم عددًا، وناهزوا المليار ونصف المليار مسلم، وغطوا نحو 58 دولة كأكثرية، وكل دول العالم الأخرى كأقلية، كما استقبلوا وتعايشوا مع الآخرين ونشروا ثقافتهم دون تزعزع عن دينهم أو تنازل عن مبادئهم [3] .
ومع هذا فإن المسلمين لم يجبروا أحدًا على ثقافتهم، ولم يجعلوها مقايضة بأمور أخرى يقدمونها للشعوب، بل إنهم لم يقدموا ضمن ثقافتهم ما يعتبر هدمًا للقيم وخرابًا للأمم، وهذا ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء [4] .
أما الطرف الآخر فقد ركز الاستعمار الغربي على تسيير المجتمعات الإسلامية نحو الوجهة التي هيمن عليها، فقام أساتذته وباحثوه بوضع مناهج مدروسة، وخطط إستراتيجية متعددة، وفتح مدارس على كافة المستويات، من رياض الأطفال حتى الجامعات، بالإضافة إلى التفاته إلى البعثات التي تفد إلى دياره، وذلك بغية فرض لغة المستعمر وعلومه، وثقافته، بل ومدنيته، تيسيرًا له في التعامل مع المسلمين، وتمهيدًا لتغيير صورة الاستعمار بالجيش والعتاد والقوة
(1) عصر الخلافة الراشدة، د. أكرم ضياء العمري، مكتبة العبيكان، الرياض، ط2، (1419هـ) .
(2) حضارة العرب، جوستاف لوبون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، (1399هـ) نقله إلى العربية: عادل زعيتر، وينظر: (( جوستاف لوبون وإنصافه للحضارة العربية ) )فهد السنيدي، بحث مقدم لمؤتمر (الاستشراق) المنية، (1427هـ) .
(3) رأفت غنيمي، مقال سابق على شبكة المعلومات.
(4) الإسلام والرسول في نظر منصفي الشرق والغرب، أحمد بن حجر آل بوطامي، مكتبة الثقافة، الدوحة، ط3 1398هـ، وينظر: (( الإسلام منقذ الإنسانية ) )محمد عطية الأبراشي، المكتبة العصرية، القاهرة، (ب. ت) ..