فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 579

فهذا الحديث ظاهر بين في إيضاح مشروعية وأهمية الحب في الله المقتضي الموالاة، وكذلك البغض في الله المقتضي المعاداة والبراء من المبغض وما هو عليه من باطل، فالولاء والمحبة ثنائي مجموع لا ينفك أبدًا بحيث يتعذر بينهما الفصل أو الافتراق؛ لأن من المحال أن يعمد أحد إلى تولي غيره دون أن يسوقه إليه سائق الحب والود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] ، وقد شدد السلف رحمهم الله في الكلام على عدم موادة أهل البدع والحذر منهم، مع أن ضلالة بعضهم لا تخرجه عن الملة، فما الظن بكلامهم حول الكفار المعاندين؛ حيث حذر السلف من توليهم توليًا عامًا، أو محبتهم ومودتهم أو الركون القليل إليهم أو مداهنتهم ومداراتهم أو طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون من أمر فيه إضرار بالمسلمين أو غيرها من الأمور التي يظهر منها التولي والمحبة [1] .

كما تحدثوا رحمهم الله عن تأصيل هذا المعنى الشرعي [2] ، وبيان أبعاده والتأكيد على أن أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة والبراءة، البغض وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصر والأنس والمعاونة والجهاد والهجرة والرضا بأفعالهم، فأمر الولاء والبراء أمر لاشك فيه أجمعت الأمة عليه، لكونه حكمًا مقطوعًا به، ولكونه قطعى الثبوت والدلالة، وهو دليل على حرص الإسلام على بناء صلة الترابط بين أتباعه، وتقوية جسر الود بينهم، ومع ذلك فإنه لا يعني نفي الآخر ولا طرده ولا عدم العيش معه، بل إنه يعني وسطية الإسلام وسماحته التي قال الله تعالى فيها عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فلا تعارض بين معتقد الولاء والبراء ومبادئ الوسطية والسماحة والرحمة، وذلك يظهر من خلال النقاط الآتية التي تبين أمثلة عدم التعارض [3] :

1 -لا يجبر أحد من الكفار على اعتناق الإسلام، بل الأصل {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الآية.

2 -أن أهل الذمة في الإسلام لهم أحكام خاصة، منها أنهم يعيشون في بلاد

(1) أوثق عرى الإيمان (مجموع الرسائل) ، سليمان بن عبد الله آل الشيخ، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط1، (1420هـ) ، تحقيق الوليد الفريان، ص (25 وما بعدها) .

(2) الموالاة والمعاداة للجلعود، مرجع سابق (1/ 34 - 60) .

(3) الولاء والبراء بين الغلو والجفاء، حاتم بن عارف الشريف، المكتبة العصرية، ط1 (1427هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت