خصمك ذلك، فعلى المتحاورين أن يلتزما موضوع الحوار، وأن لا يخرجا منه إلى غيره لأن ذلك دليل على فشل الحوار أو ضعف المتحدث الذي خرج من الموضوع، ومن أسوأ أنواع عدم الالتزام بموضوع الحوار، أن تخرج من أصوله وثوابته إلى الحديث عن المتحدثين في أشكالهم وألوانهم وأجناسهم، وهذا أسلوب فرعوني استخدمه أمام موسى - عليه السلام - عندما فشل فرعون في مقارعة الحجة، عمد إلى الخروج من الموضوع إلى القدح في صفات موسى الخَلْقية، فقال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] .
وينبغي تقدير الخصم واحترامه وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه، فيخاطب بالعبارات اللائقة والألقاب المستحقة والأساليب المهذبة حتى لو كان كافرًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق لخصمه: (يا أبا الوليد) ، ولكن يلتزم المسلم بالألفاظ الشرعية فهي ما يحفظ الحق للآخر [1] .
4 -المسلم مطالب حال حواره أن يلتزم آداب الإسلام في الحديث والإنصات وأن يخلص النية لله وأن يصبر على الأذى وأن يكون حليمًا يلتمس الحق ويدعو إليه ويسعى لإظهاره حتى لو كان مع الآخرين، يسأل ربه سبحانه أن يهديه إلى سواء السبيل، فهو يقرأ في كل ركعة من الصلاة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ، وعليه التثبت في الكلام والنقل والصدق في الحديث وأن يسعى لتأهيل نفسه بأسس وضوابط الحوار، وأن يستعد لأي طارئ يحصل.
-هذه بعض الأمور التي تسهم في نشر ثقافة الحوار الصحيح، وإيجاد جيل مسلم يحمل هم الحوار ويتعامل معه تعاملًا صحيحًا.
أما ما يتعلق بالضوابط والأسس التي تعين على نشر ثقافة الحوار مع غير المسلمين ونعتبرها هدفًا من أهداف الحوار الثقافي فيمكن الحديث عنها ضمن النقاط الآتية:
أولًا: ما الذي يعوق الحوار الصحيح؟
يمكن أن نشير إلى بعض معوقات الحوار الحضاري فيما يأتي [2] :
1 -معوقات سياسية تاريخية نتجت عن صراعات وحروب بين طرفي الحوار: الإسلام والغرب، وزاد من تأجيجها الموقف الغربي غير المنصف من
(1) مثل قول: (سيدي) للكافر، فقد ورد النهي عنها لحديث: (لا تقولوا للمنافق سيدًا فإنه إن يكن سيدًا فقد أسخطتم ربكم - عز وجل -) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب لا يقول المملوك ربي وربتي، ح (4977) ، وصححه الألباني.
(2) مستفاد من بحث: (( الإسلام وحوار الحضارات ) )كامل الشريف، بحث سابق، و (الإسلام والغرب: شقاق أم وفاق) نصر بن محمد الصنقري، بحث في موقعه على الشبكة، (( الإسلام والآخر ) )حمدي شفيق، مرجع سابق، (( فقه الأقليات ) )د. يوسف القرضاوي مرجع سابق.