من خلاله أن فهم الدعوة الإسلامية لا يحتاج إلى فلسفة معقدة، أو تعقيد للأمور بمتطلبات عقلية غامضة، وإنما يرجع ذلك إلى طبيعة هذا الدين الذي يخاطب فطرة الإنسان، ويتعامل مع ظروفه ويلبي رغباته ويعالج قضاياه، ويرد على أسئلته، ويربط في تناسق وانسجام بين ما يتضمنه من حقائق وواقع حياة، ليجد الناس في هذا الدين وبأسلوب حواري رائع كل ما يحتاجون إليه، وهذا ما يسهم فعلًا في نشر ثقافة الحوار.
لكن لا يعني ذلك أن الحوار لا يستند إلى منطق عقلي ويقوم على الحجة البالغة؛ كلا! فهي أمور جعلها الإسلام مطلبًا في حوار المسلم مع غيره، فالحوار يجب أن يحترم العقل الإنساني، ويقدر الفكر البشري، ويضع الحجج العقلية والأساليب المنطقية على رأس طرق التفاهم والنقاش والجدل المفيد، وما أكثر الآيات التي تطلب من الإنسان أن يفكر ويتدبر:
{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] ، {ذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] ، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] .
وتشير كافة الأدلة والبراهين على أن الإسلام دين يقوم على المنطق، ويستند إلى البرهان في مخاطبة الناس جميعًا، ومن ذلك الحوار مع غير المسلمين الذي يجب فيه استبعاد الإثارة والتهييج، لأن هذا الأسلوب وإن أجدى لدى بعض المسلمين مؤقتًا إلا أنه لا يصلح لمخاطبة غير المسلمين [1] .
فمن المهم جدًا أن تكون لغة الحوار واضحة، فوجود أي غبش في لغة الحوار سيعيق الرسالة التي يراد نقلها، ومن هنا لابد أن تكون الوسائل والمصطلحات والأساليب واضحة ومتفقًا عليها، وأن يكون المترجمون حال وجودهم ـ على درجة من التمكن في اللغة [2] .
ثالثًا: وسائل نشر ثقافة الحوار الصحيح بين المسلمين وغير المسلمين:
هناك مجموعة من الوسائل تشترك في كونها تسهم في نشر الثقافة الحوارية، أو تسهم في نشر العلوم وتسهل عملية التواصل، ويمكن أن نذكر بعضها:
1 -تأليف الكتب والدراسات والمراجع العلمية التي تؤسس لهذا العلم، وتبين أهم أهدافه وسبل الوصول إلى الغاية المنشودة منه.
2 -إدخال هذا المبحث ضمن المناهج الدراسية في العالم مع ضرب الأمثلة الصحيحة للحوار وسبل تقويتها لدى الطلاب، وزرع العدل كقيمة عظيمة في
(1) الإسلام والغرب، الصنقري، مرجع سابق (30 - 48) باختصار وتصرف.
(2) (( الحوار بين الأديان ضوابطه وآدابه ) )د. ماجد بن محمد الماجد، ضمن أبحاث المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار بمكة المكرمة، مرجع سابق (1/ 223) .