ثانيًا: أشهر الشبهات المثارة ضد الأسرة والمرأة [1] :
1 -أن الأسرة في الإسلام نظام تعسفي يحرم المرأة من حريتها ويضع السلطة بيد الرجل ويسمح له بأمور لا يسمح للمرأة بها، ومن هذا التعسف، الولاية التي يملكها الآباء على بناتهم أو القوامة التي يملكها الزوج على زوجته؛ والرد على شبهتهم ما يأتي:
-الولاية في اللغة: تولي الأمر والقيام به أو عليه، وهي في الاصطلاح: سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها، أي ترتيب الآثار الشرعية عليها، وهي إما أصيلة بأن يتولى الشخص عقدًا أو تصرفًا لنفسه، أو تكون نيابية بأن يتولى عن غيره، والولاية النيابية قد تكون اختيارية بالتفويض من الشخص المنيب لمن أنابه، أو إجبارية من الشرع الحكيم لمصلحة القاصر، كولاية الأب أو الجد أو غيرهما على الصغير رعاية لمصالحه وحفظًا لحقوقه واهتمامًا بشؤونه [2] .
وقد سعت منظمات وهيئات أممية إلى سلب ولاية الآباء على الأبناء، وإعطاء الشباب والفتيات الحق في التصرف الكامل في حياتهم، وإقامة العلاقات فيما بينهم بدعوى تعزيز الثقة والتكامل لشخصياتهم، وهذا المسلك أفرز تفككًا أسريًا كبيرًا ظهرت نتائجه السيئة على تلك المجتمعات من خلال عيش الشباب أو الفتيات بعد سن الثامنة عشرة في مساكن مستقلة، وضياع حقوقهم، وانتشار فقدان الفتيات لبكارتهن قبل الزواج بسبب وقوعهن فريسة في أيدي الشباب.
وتظهر حكمة الولاية على الأبناء في الإسلام من خلال وجوب إنفاق الأب على أبنائه وتقديم هذا الإنفاق على أي نوع من أنواع النفقة أو حتى الصدقات، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) [3] ، وجعل الإسلام تضييع الأولاد وعدم الإنفاق عليهم من الإثم الشديد، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته) [4] ، كما أن تربية الأولاد منذ صغرهم وتعليمهم من أهم واجبات الأب، الذي يأمره الإسلام بالقيام على تربيتهم تربية إيمانية، وينشّئ فيهم حب الله تعالى وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويحبب إليهم العلم والعمل، ويغرس فيهم الأخلاق الفاضلة والالتزام بالآداب الاجتماعية الحسنة، وإذا حقق هذه التربية فإنه يؤجر أعظم الأجر، ويكون له من الأجر مثل أجور من عمل منهم من الخير والحسنات.
هذا من ناحية التربية التي أوكلت إلى الأب باعتباره الولي، أما من الناحية الأخرى من فوائد وحكم الولاية فهي ما تحققه للأولاد أنفسهم من استقرار نفسي واجتماعي ومالي، حيث يكون الولي أكثر دراية بأحوال الناس وتعاملاتهم، فلا يدفع ابنه أو ابنته إلا لما فيه الخير، بل يقف سدًا منيعًا أمامهم من أن تختطفهم حبائل السوء في المجتمع.
أما الولاية على المرأة في الزواج فهي تكريم لها، حيث جعلها الإسلام شرطًا لصحة الزواج لقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) [5] ، فالرجل أكثر خبرة من المرأة لاختلاطه بالناس ومعرفته بأحوالهم، إضافة إلى أن المرأة سريعة التأثر مما يسهل معه أن تنخدع لأسباب كثيرة، فتخطئ في اختيار الأصلح لها، وفي وجود الولي إكرام لها وإبعاد عن خدش حيائها، وكم من امرأة ندمت لأنها تزوجت دون ولي، فاكتشفت أنها خدعت بمعسول الكلام ولذيذ اللفظ، إذ تكشفت الحقائق لها بعد الدخول!!
أما القوامة فيرى مثير وهذه الشبهة أنها تتعارض مع مبدأ حرية المرأة ومساواتها بالرجل، فكيف يتفرد الرجل بالسلطة ويتسنم مركز القوامة والقيام بشؤون البيت وسلب حق المرأة التي لا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه، ولا تمارس حياتها الشخصية إلا تحت عينيه، ولا تتصرف في معيشتها إلا بعد موافقته؟ هذه الشبهة التي أثارها أدعياء التحرير يمكن الرد عليها بأمور:
-القوامة التي بيد الرجل لا تتعارض مع تكريم الإسلام للمرأة، وإنما شرعت لتنظيم العمل داخل الأسرة، فكل جماعة وكل تنظيم لابد له من قائد يقوده ويوجهه إلى الطريق الصحيح، ويجب أن يكون لهذا القائد مكانته بين الجماعة، حتى يكون مسموعًا ومطاعًا.
-القوامة تكليف ومسؤولية، وليست تكريمًا أو تعسفًا واستبدادًا، ولذلك أمر الله
(1) شبهات حول الإسلام، محمد قطب، دار القرآن الكريم، (1978م) وينظر: (( المؤامرة على المرأة المسلمة ) )د. سيد أحمد فرج، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط1 (1985) ، وينظر: (( المرأة المسلمة بين الشريعة الإسلامية والأضاليل الغربية ) )، فدى عبد الرزاق القصير، مؤسسة الريان، بيروت، ط1 (1420هـ) ، وينظر: (( ماذا عن المرأة ) )د. نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق، ط3 (1399هـ) .
مع العلم أن هذه الشبهات أثيرت في أغلب مؤتمرات الحوارات، وقد رصدها د. العبد الكريم في رسالته السابقة، وذكر جميع المؤتمرات العالمية التي أثارت هذه الشبهات.
(2) (( الفقه الإسلامي وأدلته ) )د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2 (1405هـ) [4/ 139 - 146] .
(3) رواه البخاري، كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال، ح (4936) ، ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، ح (1716) .
(4) رواه مسلم كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك، ح (1662) .
(5) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب في الولي، ح (2085) ، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، ح (1101) ، وحسنه الترمذي، ورواه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ح (1881) ، وصححه الألباني، وأما اشتراط الولي فهو مذهب الجمهور، ينظر: جامع أحكام النساء، مصطفى العدوي، دار ابن عفان، القاهرة، ط1 (1419هـ) [3/ 315] .