{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22] ، ولذلك فإن المسلم لا يشعر بحالة الصراع مع شخص تنكب عن الهداية وأعرض عن أسبابها: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] ، وإنما يسعى في البلاغ رغبة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولا يكره أحدًا على الدخول في الإسلام لأنه دين بين واضح جلي الدلائل والبراهين، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا [1] ، {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] .
ولهذا لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من خلفائه، أنه أجبر أحدًا من أهل الذمة على الإسلام، ولو أكره أحد منهم فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام حتى يظهر منه ما يدل على دخوله فيه بكل اقتناع وإيمان [2] .
ويدخل ضمن هذه الحرية أيضًا حرية ممارسة العبادة وضمان سلامة دورها، فقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران أمانًا شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤون عبادتهم [3] .
كما سار على هذا المنهج خلفاؤه من بعده، فقد أعطى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أهل القدس ضمانًا مثله وفيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ... ) ) [4] .
وبفعل عمر نفسه استمر عمل الخلفاء والقادة من الصحابة ومن بعدهم في ضمان حق حرية التعبد لهؤلاء القوم وسلامة معابدهم، بل لقد طبق الفاتحون المسلمون الأولون هذه التوجيهات بدقة [5] .
(1) تفسير ابن كثير، مرجع سابق (1/ 416) .
(2) المغني، مرجع سابق (9/ 25) .
(3) سبق تخريجه.
(4) سبق تخريجه، وينظر تاريخ الطبري، مرجع سابق (4/ 449) .
(5) التسامح والعدوانية، مرجع سابق (120) ، وقد نقل كلامًا لعدد من كتاب ومفكري الغرب في الإشادة بموقف التسامح من المسلمين مع أهل الذمة، وينظر: (( قصة الحضارة ) )، مرجع سابق (12/ 131) ، فقد نقل كلامًا كثيرًا للمنصفين من الغرب وليس مجال البحث هذه المواقف الكثيرة، لأنه يطول المقام بذكرها، ولكن المقصود ذكر حفظ المسلمين لحقوق أهل الذمة.