وكل ما يطلبه المسلمون من غيرهم أن يراعوا مشاعرهم، وحرمة دينهم، فلا يظهروا شعائرهم، وصلبانهم في الأمصار الإسلامية، ولا يحدثوا كنيسة في مدينة إسلامية، لم يكن لهم فيها كنيسة من قبل، وذلك لما في الإظهار والإحداث من تحدي الشعور الإسلامي، مما قد يؤدي إلى فتنة واضطراب [1] .
ويضم إلى هذه الحرية حرية العمل والكسب لغير المسلمين، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن والأنشطة التجارية، إذ قرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين، واستثنوا من ذلك عقد الربا فإنه محرم عليهم وعلى المسلمين، ويمنعون من بيع الخمور والخنزير وما في حكمهما فلا يسمح لهم ببيعها في بلاد المسلمين، كما لا يحق لهم فتح الحانات لشرب الخمر، أو استيرادها لبلاد المسلمين وتسهيل تداولها لما في ذلك من الفساد والإفساد [2] .
كما قرر الفقهاء تأمين أهل الذمة في أيام عبادتهم، فلا يجبر اليهودي بالعمل يوم السبت كما أن له أن يأكل ويشرب ما يراه حلالًا في دينه ما لم يظهر هذا للناس أو يتسبب في إشهاره [3] .
2 -حق الإحسان:
أمر الله تعالى المسلمين بالإحسان والبر مع من خالفهم ممن لم يحاربهم: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] . يدخل في هذا الإحسان كل ما كان من مكارم الأخلاق الإسلامية التي أقرت لغير المسلمين، بل إن الصلة والبر للأقارب غير المسلمين مما أمرت به الشريعة -كما سبق في حق الوالدين-ولا أدل من الصلة الممتدة، والإحسان المستمر من قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستفتحون مصر
(1) القرضاوي، المرجع السابق ص (20) .
(2) القرضاوي، المرجع السابق ص (22) .
(3) الكافي، عبد الله بن قدامة المقدسي، دار هجر، مصر، ط1 (1418هـ) تحقيق: د. عبد الله التركي (5/ 608) ، وينظر: (( الإقناع لطالب الانتفاع ) )موسى بن أحمد الحجاوي، دار هجر، مصر، ط1 (1418) تحقيق د. عبد الله التركي (2/ 145) . وينظر: (( المقنع والشرح الكبير والإنصاف ) )طبعه مجموعة بتحقيق د. عبد الله التركي، دار هجر، ط1 (1415هـ) (10/ 440 - 460) .