وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا)، أو قال: (ذمة وصِهرًا) [1] .
وقد كانت صور الإحسان النبوي في المدينة مع اليهود أكثر من أن تذكر في هذا المعرض، فقد زار - صلى الله عليه وسلم - غلامًا كان يخدمه فمرض الغلام فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ... [2] ، وقبل - صلى الله عليه وسلم - دعوات بعض اليهود وأكل عندهم في مرات عدة [3] .
والمجال في حق الإحسان كبير، من صور إكرام الضيف وإعانة المنقطع والدعاء لبعضهم بالهداية، ومواصلة برهم وإهدائهم وقبول الهدية منهم ورد التحية عليهم ... وهي صور عظيمة جاءت بها الشريعة السمحة.
3 -حق الحماية والعدل:
أي الحماية من الاعتداء الخارجي أو الداخلي، فيجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع من يؤذيهم وفك أسرهم ودفع من قصدهم بأذى، ويكون منع الأذى حتى ممن أراده بهم من الداخل فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، لأن هذا ظلم لا يرضاه الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
يقول - صلى الله عليه وسلم: (من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجة يوم القيامة) [4] .
بل إنه أكد أن ظلمه سبب للعقوبة فقال - صلى الله عليه وسلم: (اتقوا دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا -فإنه ليس دونها حجاب) [5] .
وتتأكد الحماية في صورة تحريم الظلم بالقتل لهم وهو أعظم وأبشع الظلم في حقهم، حيث يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد
(1) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل مصر، ح (2543) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ح (1356) .
(3) منها في خيبر حديث هدية زينب بنت الحارث في صحيح البخاري، ح (2617) ، وفي مسند أحمد أن يهوديًا دعاه إلى خبز شعير وإهالة سنخة، ح (12789) .
(4) رواه أبو داود، كتاب الخراج، باب في الذمي يسلم في بعض السنة هل عليه جزية، ح (3052) ، قال الألباني في تعليقه على سنن أبي داود: (صحيح) .
(5) رواه أحمد في المسند عن أنس - رضي الله عنه -، ح (12549) ، قال المحقق: إسناده ضعيف.