الاستشارية التي معه جزء منه في الحكم [1] .
ويمكن تفصيل الأقوال المعتبرة في هذه المسألة بما يأتي:
1 -الأصل أن لا يتولى الوظائف الخاصة والعامة إلا أهل الإسلام، لأن غير المسلمين قوم لا تؤمن خيانتهم، ولا يجوز أن يولى الكتابي شيئًا من ولايات المسلمين على جهات سلطانية ولا أخبار الأمراء، ولا غير ذلك من المناصب المهمة ذات المساس بمصالح الأمة وقوتها [2] .
واستدلوا بجملة من الأدلة منها قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] ، ولا أعظم من سبيل الأمرة والولاية والسلطة العامة أو الخاصة، فهي تقتضي أن يكون للكافر على المؤمن سبيل قوي، وهذا منهي عنه.
كما استدلوا بجملة من الآثار عن السلف رحمهم الله جميعًا نذكر منها [3] :
-أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قلت لعمر - رضي الله عنه: (( إن لي كاتبًا نصرانيًا ) )، قال: مالك قاتلك الله! أما سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] ، ألا اتخذت حنيفًا مسلمًا، قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أضلهم الله ولا أدنهم إذ أقصاهم الله )) [4] ، والآثار عن عمر - رضي الله عنه - في هذا المعنى كثيرة، حيث كان ينهى عن استخدام الكفار في أعمال المسلمين، منها أنه كتب لبعض عماله: (( ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك ) ) [5] ، وقد كان توظيفهم في أول الإسلام قليلًا جدًا، لذا لم ترد نصوص صريحة في النهي عن ذلك أو بسط المسألة بسطًا كاملًا، أو أن الأمر كان مستنكرًا عندهم فلم يُمكَّن أحد من الكفار من أمرة أو سلطة.
وبهذا يكون أصحاب هذا القول قد قرروا أنه لا يجوز تمكين أهل الذمة من الوظائف التي يحققون من خلالها الاستعلاء على المسلمين، وأن الاستعانة بهم لا تجوز إلا عند الضرورة القصوى وبقدر ضئيل لا يشكل خطرًا أو ضررًا على الإسلام والمسلمين [6] .
2 -قول من قال إن الوظائف الدينية داخل الدولة لا يجوز أن يتقلدها غير المسلم، أو ما غلب عليه صبغة دينية من هذه الوظائف كالإمامة ورئاسة الدولة، والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين والولاية على الصدقات ونحو ذلك فهذه مناصب قيادية تمس مصالح المسلمين لابد أن يتولاها أفراد مسلمون، حتى يحكموا بما أنزل الله، وحتى يتحكم في مصائر المسلمين أشخاص مسلمون دون غيرهم [7] .
فالإمامة أو الخلافة رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز أن يخلف النبي في ذلك إلا مسلم، ولا يعقل أن ينفذ أحكام الإسلام ويرعاها إلا مسلم.
وقيادة الجيش ليست عملًا مدنيا صرفًا، بل هي عمل من أعمال العبادة في الإسلام إذ الجهاد في قمة العبادات الإسلامية.
والقضاء إنما هو حكم بالشريعة الإسلامية، ولا يطلب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به وما عدا ذلك من وظائف الدولة يجوز إسناده إلى أهل الذمة، إذا تحققت فيهم الشروط التي لابد منها من الكفاية والأمانة والإخلاص للدولة، بخلاف الحاقدين الذين تدل الدلائل على بغض مستحكم منهم للمسلمين [8] .
3 -جواز توليهم المناصب القيادية ما عدا منصبي الخلافة العامة (رئيس الدولة) ووزارة التفويض (رئاسة مجلس الوزراء في عصرنا) أما سواها فجائز،
(1) (( مبادئ نظام الحكم في الإسلام مع المقارنة بالمبادئ الدستورية الحديث ) )د. عبد الحميد متولي، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط4 (1408هـ) (210 - 212) ، وكذلك كتاب (( الإسلام والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين في عصور التاريخ الإسلامي وفي العصر الحديث ) )، د. عبد المنعم أحمد بركة، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ط1 (1410هـ) ، ص (293) ، وينظر: (( الولايات العامة لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي ) )طارق البشرى، مرجع سابق.
(2) الفتاوى الكبرى، أحمد بن تيمية، دار المعرفة، بيروت (ب ت) [4/ 610] ، وينظر: مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية (512) .
(3) للاستزادة: أحكام أهل الذمة مرجع سابق (1/ 211) ، واقتضاء الصراط المستقيم، مرجع سابق (1/ 50) .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم، مرجع سابق (1/ 165) ، قال المحقق: لم أعثر عليه، وقد أشار البيهقي في سننه إلى قصة تشبه ما أورده المؤلف، وهي في (( سنن البيهقي ) )، كتاب الجزية، باب لا يدخلون مسجدًا بغير إذن، (9/ 204) .
(5) أحكام أهل الذمة (1/ 211) وما بعدها.
(6) الموالاة والمعاداة، مرجع سابق، (1/ 799) ، وينظر: (( الإسلام ) )، سعيد حوى، دار السلام، (القاهرة، ط1(ب ت) ، ويرى رحمه الله أنه لا يجوز شغل غير المسلمين لأي وظيفة من وظائف الدولة (2/ 13) .
(7) (( مصر في عصر الفاطميين ) )محمد بركات البيلي، دار النهضة العربية القاهرة، ط1 (1995م) ص50
(8) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، القرضاوي مرجع سابق (23) ، بينما يرى أبو الأعلى المودودي، استثناء المناصب الرئيسية التي يحددها أهل اخبرة، والقاعدة فيها أن الخدمات التي تتعلق بوضع الخطط العملية وتوجيه دوائر الحكومة المختلفة هي ذات المنزلة الخطيرة، ومثل هذه الخدمات التي لا تُسْند في كل نظام مبدئي إلا إلى الذين يؤمنون بمبادئه، ينظر: (( حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية ) )أبو الأعلى المودودي، دار الفكر، بيروت (ب ت) ، ص (34 - 35) .