وفي المقابل لا يرى بعض المفكرين غضاضة من استخدام لفظة: (دولة إسلامية) إذ يقر هؤلاء بأن نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني أو نبوي يحدد شكله، ولذلك فإن لعلماء المسلمين أن يجتهدوا في شأن هذه الدولة في كل عصر بما يحقق مصلحتهم في عصرهم، ولا يغلق الباب أمام من يأتي بعدهم ليجتهدوا كما اجتهدوا، فيقرر هؤلاء أن مصطلح (الدولة الإسلامية) ليس تعبديًا، وإنما النظام الذي يدعو إليه الإسلام، والأسس التي وضعها الشارع وفق نصوصه المقاصدية الي تهدف إلى تحقيق المثل أو الغايات العليا هي التي يجب تطبيقها وعدم المساس بها، فالدولة في النظام السياسي الإسلامي ليست دولة كهنوت أو ثيوقراطية تتحكم في رقاب الناس، بل هي دولة مدنية تحكم بالإسلام وتقوم على الشورى، فكما أن دولة الإسلام بعيدة عما عرف باسم الدولة الدينية التي ظهرت في العصور الوسطى الأوربية، وتحكمت في الناس باسم الدين، فهي أيضًا ليست دولة علمانية تنكر الدين وتتنصل منه، بل هي دولة مدنية تقيم في الأرض أحكام السماء، وتحفظ بين الناس أوامر الله ونواهيه [1] .
أما عند الدخول في فهم مصطلح (الدولة الإسلامية) فإن الأصل أنه كان يطلق على الدولة التي غالبية سكانها من المسلمين - في العصر الحاضر - مع أن هذا الإطلاق لم ينضبط، ولم تستطع منظمة المؤتمر الإسلامي أن تحدد له معالم واضحة - كما سبق - وعليه فإن مفهوم الدولة الإسلامية ينبغي أن يأخذ معيارًا بناء على الأسس والضوابط التي جاء بها الشرع مع نقدها وتمحيصها نقدًا علميًا من حيث صحتها، ومراد الشارع منها، وغير ذلك من ادوات النقد العلمي، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرات التاريخية، والمعاصرة في وضع أُطر معرفية للنظام السياسي الإسلامي يقوم على العقيدة الصحيحة.
كما أن وضع هذا المفهوم للأمة أو الدولة لا ينفي أهمية الاعتراف بالروابط الإقليمة والقومية، وتأثيرها على تكوين الهوية الفردية والتعاون الاجتماعي، لكنها لا ترتقي في أهميتها إلى مستوى الرابطة العليا، وهي الوحدة الإسلامية التي تجمع الشعوب المسلمة للولاء النهائي، وهو الولاء للأمة الإسلامية، لكنه ولاء لا ينفي قيام ولاءات ثانوية ترتبط على أساس قطري معين [2] .
(1) هو رأي د. محمد سليم العوا في المرجع السابق، ود. يوسف القرضاوي: (( من فقه الدولة ) )، مرجع سابق، وينظر: مقال نقل جميع هذه الآراء تحت عنوان: (( المواطنة ومفهوم الدولة المدنية ) )، عبد الرحمن الحاج، على موقع الملتقى الفكري للإبداع www. almultaka. net.، وينظر: أبحاث مؤتمر الحركات الإسلامية والمجال السياسي في البلاد العربية، كلية العلوم القانونية - جامعة القاضي عياض، المغرب 21 - 22 يونيو (2007م) ، وهي منشورة على موقع مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية: www. dctcrs. org ..
(2) (( العقيدة والسياسة: معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية ) )، لؤي صافي، دار الفكر، بيروت، ط 1 (2002) ، ص (13 - 48) .