يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: 95] مع حثه على السعي الدؤوب لما ينفعه، ولكن طريق الفلاح للفرد إنما يمر عبر تقديم المنافع للآخرين، ويحصل له الأجر الكبير على قدر نفعه للناس، لأن الإسلام لا يحب الأنانية بل يجعل الغيرية هي طريق تحقيق الفلاح، يقول تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] فهو يحقق للآخرين النفع، ومع ذلك جعل بمثابة القرض لله تعالى، وهو سبحانه الكريم الذي يوفي الأجور أضعافًا كبيرة، أما المبدأ الرابع فهو مبدأ الإحسان الذي يقوم على رد الجميل وشكر المنعم وطاعته على نعمه وفضله، فيدفع المسلم إلى الصدقات والتبرعات والعطف على الآخرين، وإتقان العمل، ومراقبة الله تعالى في كل الأمور: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .
(5) يقوم الاقتصاد الإسلامي على مجموعة من المبادئ المرتبطة بالعبودية لله، ومن هذه المبادئ: مبدأ الاستخلاف الذي أكرمنا الله به، فهو المالك للمال لكنه استخلفنا فيه: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] ، وفيه إشارة إلى أن المال متنقل فهو مأخوذ من غيرك إليك، وستتركه إلى من وراءك [1] .
والإيمان بهذا المبدأ يجعل الإنسان يدرك أن هذه النعم منة من الله عليه، فلا يسوقه هذا إلى البطر أو اعتقاد قوته في جمع المال، وأنه هو المحقق له دون فضل الله عليه.
ومن المبادئ كذلك مبدأ النظر إلى المال باعتباره وسيلة، فلا هو مرفوض ممقوت كما يعتقده بعض أصحاب الملل المنحرفة المحرمين لكل متع الحياة، ولا هو مقدس معظم فوق كل شيء، بل ينظر المسلم إليه بتوازن، فهو يحبه ويسعى لجمعه: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] لكن لا يغالي في التعلق به واللهث وراءه مما يجعله تعيسًا في دنياه وآخرته كما قال - صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، وعبد الخميصة ... ) [2] ، فالمال وسيلة لتحقيق الحياة السعيدة المؤهلة للآخرة.
ومن المبادئ العظيمة مبدأ كفاية الخيرات لحاجات البشر، فهذه الخيرات المودعة في الأرض كافية لحاجات البشر وجميع الدواب، كما قال تعالى:
(1) تفسير ابن كثير، مرجع سابق (4/ 306) ، وتفسير الطبري، مرجع سابق (22/ 389) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، ح (2887) .