والألمان أن العولمة يراد لها أن تبتلع كل الانتماءات والهويات والقيم، أو يراد لهذه الانتماءات الدينية والهويات الثقافية والقيم الاجتماعية أن تمر عبرها لتواجه الشعوب بعد ذلك قنوات وآليات محددة تقرر نمط ما يجب أن يكون وما لا يكون منها.
وقد تنبهت الحكومات الغربية - وبخاصة فرنسا - لهذا الخطر، وأكدت أنها مهددة ثقافيًا بمواجهة هذا الغزو الثقافي الذي يتحرك تحت غطاء العولمة الاقتصادية، وأصدرت الأوساط الثقافية هناك مجموعة من الكتب، وعقدت المؤتمرات للتحذير من أخطار العولمة، ومن هنا يبدو أن عقلاء المثقفين في العالم لم يرحبوا بالعولمة، ومنهم عقلاء المسلمين الذين يحدوهم وازع ديني عظيم لحماية ثقافة الأمة، وتحصين الأجيال المسلمة، لاسيما في جوانبها المستهدفة ثقافيًا [1] ، مما جعل التحرك الرسمي والشعبي في هذا الجانب يلقى قبولًا من أصحاب الرؤية المناهضة للعولمة، حيث شاركت هيئات ومؤسسات إسلامية في مؤتمرات مناهضة للعولمة، وسارت مظاهرات عالمية عارمة ترفض هذه الدعوة، وتحاربها بكل أشكالها [2] .
وكثير من الذين يحاربون العولمة ينطلقون من رؤية عدم مشاركتهم حضاريًا في تطوير مفهوم العولمة، فهم يرون أنه مفهوم غربي ابتكره الغرب، وحدد له مضامينه وهويته ومكوناته، وهو الذي يقود حركة العولمة، ويروج لها في العالم كله.
وأمام هذا الاتجاه والسيطرة تجد الحضارات والثقافات نفسها في موقف المدافع الرافض، أو المتفاعل بحذر مع هذا الوافد دون أن تخسر هويتها [3] .
ولذا فإن الموقف من العولمة يستلزم معرفة أبعادها، والمشاركة في الحوار الحضاري الرافض لأضرارها المدمرة، والوقوف مع المناهضين لها في هذا المجال المتفق عليه، وتوقيع الاتفاقيات الدولية التي تضمن التصدي لهذا المد العولمي الخطير على الثقافات.
3 -تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام من خلال المناهج الغربية، فقضية التعليم من أهم القضايا التي يجب أن يتم التركيز عليها، فعندما يُغذى الطفل منذ الصغر بروح العداء والكراهية والبغض وسوء الظن، لن تستطيع مهما استخدمت من وسائل أن تغير هذه الاقتناعات بسهولة؛ لذا فإن التدخل الحضاري
(1) الحضارة المعاصرة، تجارب وممارسات، بحث مقدم من الشيخ محمد بن ناصر العبودي، ضمن كتاب (( الإسلام وحوار الحضارات ) )، مرجع سابق، (2/ 493 - 495) .
(2) أجرت الفايننشال تايمز دراسة حول الجمعيات والهيئات والأفراد الرافضين للعولمة في عددها الصادر 23/ 4/ 2001م.
(3) الموقف العربي والإسلامي من العولمة والشرق أوسطية، بحث من د. محمد خليفة حسن، ضمن كتاب (( الإسلام وحوار الحضارات ) )، مرجع سابق، (2/ 550 - 554) .