جانبي المتوسط والحوار بين هذه الثقافات والتبادلات الإنسانية والعلمية والتكنولوجية تشكل عاملًا رئيسيًّا في التقارب والتفاهم بين الشعوب وتحسين الإدراك المتبادل، لذا فهم يوافقون على إيجاد مشاركة في المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية. لكنّ الدراسة نبهت على أن هذا الإعلان هو إعلان سياسي وليس وثيقة قانونية ملزمة؛ ولهذا فإن قيمة ما جاء فيه أن نصوصه لا تحمل سوى التزامات أدبية، فكل ما جاء فيه عبارة عن مبادئ وأهداف عامة.
كما لاحظت الدراسة أن الجوانب الثقافية (التفاهم بين الشعوب، وحوار الحضارات والثقافات) حازت أهمية أقل من غيرها في التعاون الأوروبي المتوسطي، كما أن الإشارة إليها جاءت في صورة مخففة باعتبارها ليست جوانب أساسية للشراكة، كما أن التعبيرات الخاصة بهذه الأبعاد التي استخدمت في الإعلان تميزت بالعمومية والغموض، بما يفتح الباب للتفسيرات والتأويلات المختلفة حول مضمونه الحقيقي وأهدافه، وحقيقة الدعوة للتعاون الثقافي من المنظور الأوروبي.
وأوضحت الدراسة أن الاتحاد الأوروبي عقب أحداث سبتمبر نادى بمبادرة جديدة لتشجيع التسامح والمعرفة الأفضل والتفاهم المتبادل بين شعوب منطقة البحر المتوسط، وتنشيط الحوار ما بين المتكافئين في كل من ضفتي حوض البحر المتوسط.
وتناولت الدراسة أعمال ندوتين مهمتين عُقدتا عن الحوار بين الثقافات لمعرفة مضمون الحوار وأهم قضاياه من الرؤية الأوروبية، وهما:"ندوة الحوار بين الثقافات: أساس الشراكة الأوروبية المتوسطية"في مركز الشمال والجنوب (مالطا ـ إبريل 1997م) ، و"ندوة الحوار بين الثقافات"في المفوضية الأوروبية (بروكسل ـ مارس 2002م) . ولاحظت الدراسة أن الحوار في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية هو حوار بين الثقافات وليس حوارًا بين الحضارات، فقد كان هناك تجاهل واضح لمفهوم الحضارة، التي تشكل العقيدة الدينية عنصرًا أساسيًّا في تكوينها؛ وهو أكثر العناصر مقاومة للانتقاص أو الإزالة. فالحوار الأوروبي المتوسطي طبقًا للرؤية الأوروبية هو حوار بين ثقافات حوض البحر المتوسط المتنوعة والمتعددة وليس حوارًا بين حضارتين؛ الحضارة الغربية اليهودية النصرانية بثقافاتها المتعددة، والحضارة العربية الإسلامية بثقافاتها المتعددة أيضًا، فهناك خلط واضح متعمد بين مفهومي الثقافة والحضارة وهذا الغموض والخلط يظهر في تضمين المبادرة الجديدة للاتحاد الأوروبي التي أعلنت بعد 11 سبتمبر لبُعدين: بُعد خارجي يتمثل في علاقات أوروبا بدول البحر المتوسط، وبُعد داخلي يتمثل في علاقات أوروبا بعضها ببعض. فهل قضايا الحوار بين الثقافات المتنوعة للمتوسط والتي تنتمي معظمها للحضارة العربية الإسلامية هي ذاتها قضايا الحوار في التعامل مع الثقافات المتنوعة لدول أوروبا التي تنتمي جميعها للحضارة الغربية اليهودية النصرانية؟