بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال»، ويرى أن «الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع، أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم- وهو معنى العمران ... فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من إعمار العالم بهم واستخلافه إياهم، وهذا هو معنى العمران» . ثم يقرر ابن خلدون «أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش، فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله، والابتداء بما هو ضروري منه وبسيط قبل الحاجي الكمالي، فكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والسكن والدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك. ثم إذا اتسعت أحوال المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكوت والدعة، وتعاونوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر. ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف بالغة مبالغها .. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان، ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع، ومنهم من ينتحل التجارة خلافًا للبدو؛ لأن أحوالهم زائدة على الضروري، ومعاشهم على نسبة وجدهم» [1] .
ويقرر ابن خلدون أن الرئاسة المتسلطة أو «الدولة» ، بما فيها من سلطة حاكمة ثابتة، هي من لوازم الجماعة المستقرة «فالآدميون بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، ولابد أن يكون متغلبًا عليهم. وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة، وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر» . ومن الظريف أن القانونيين المحدثين يعبرون بما يشبه ذلك، فيرون أن من خصائص الدولة «سلطة القمع» Contrainte، وهي تتفرد بهذه السلطة وتحتكرها دون الأفراد. ويرى ابن خلدون أن للمملكة عمرًا وأجلًا ودورة، وأن الملك دول بين الأقوام وفقًا لما ارتآه في شأن «العصبية» [2] .
وما قرره ابن خلدون من أن الحضارة أحوال زائدة على «الضروري من العمران» لا يسلّم به كثير من المفكرين والباحثين اليوم، كما لا يسلّمون بأن البدو أو حتى المجتمعات البدائية تخلو من الحضارة، بل يميلون إلى القول بأن الحضارة ظاهرة إنسانية عامة موجودة ما وجد الإنسان الذي أنعم الله عليه بالعقل والإرادة
(1) مقدمة ابن خلدون، (86 - 89) بتصرف.
(2) مقدمة ابن خلدون، ص 35، 41، 43، 120 - 121. ويُراجع في ذلك كتاب (فكر ابن خلدون، العصبية والدولة) لمحمد عابد الجابري، ط. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1 (2002م) .