والبيان، فالإنسان دائمًا قادر على تجميع خبراته واحتوائها وتذكرها والإفادة منها - وهذا من دقة لفظ «العقل» في العربية ومعناه الذي يقبض على الشيء ويعقله [1] . فالحضارة ميزة للإنسان عامة بفضل جهازه العصبي المركب الذي جعل لديه قدرات الاستدلال والاستنتاج والتذكر واستخدام اللغة كرموز كلامية ثم كتابتها، وهكذا لا نعرف جماعة إنسانية بلا حضارة [2] ؛ لأن المجتمع الإنساني ليس كقطيع من الحيوان أو الطير أو الحشرات تحكمه الغريزة مهما بلغ نتاجها من أحكام، ذلك أن عالم الحيوان على اختلاف أنواعه إذ تحكمه الغريزة فإنها تسوقه إلى أعمال متكررة ثابتة، ويفتقد الحيوان الذاكرة التي تختزن خبراته كما تعوزه القدرة على الاستدلال والابتكار. ومن هنا يمكن القول بأن الكائنات الإنسانية هي كائنات قادرة على صنع الحضارة ودعمها، ولكل جماعة إنسانية حضارتها المتميزة التي صنعتها وانتقلت من جيل لآخر [3] . والبدو ليسوا خلوًا من الحضارة، وهم في بلاد العرب، قبل الإسلام مثلًا، كان لهم عرفهم وقيمهم الأخلاقية، وهذه كلها نظم ترتكز في تقريرها ووسائل أعمالها وإنفاذها على فكر، وكان لهم شعر فيه تأمل وتخيل يدلان على قدرة عقلية، كما كانت لهم خبرات عن النجوم والرياح والمطر بنيت على الملاحظة والاستقرار. ولقد كان العرب يرون أن إرسال الطفل إلى البادية أنجب له وأكثر عونا على تنمية بدنه وحواسه وفكره ولسانه. وتتعدد الشواهد على وجود سرعة البديهة في الجواب والارتجال في الكلام عند العرب البادية قديمًا وحديثًا.
كذلك، فإن الترف ليس قرينًا حتميًا للحضارة أو نتيجة حتمية لرقيها. فالترف أسلوب معين في استعمال ما أتيح للإنسان من إمكانات وتيسيرات، وليس هو الأسلوب الوحيد أو النتيجة الحتمية لليسر، «فالترف ليس حالة من حالات الحضارة وإنما هو موقف منها )) [4] .
ولهذا يعد مفهوم الحضارة لغة واصطلاحا من المفاهيم التي اختلفت آراء كثير من المفكرين لتحديد معنى المفهوم بشكل أكثر دقة. ففي اللغة، كما تقدم تعني الحضارة التحضر أو التمدن أو التقدم. وهي أيضا كل إنتاج للإنسان مصدره العقل، سواء كان هذا الإنتاج ماديا أو أدبيا فالحضارة مجموعة الإنجازات المادية والمعرفية والقيمية في فترة تاريخية ما.
فمن التعريفات المختارة عند المفكرين المسلمين المعاصرين هي: (( التجسيد العملي لتلك الاستجابات والمواقف التي ينزع إليها الأفراد، وهي بالتالي تنزع إلى
(1) الحضارة، حسين مؤنس- سلسلة «عالم المعرفة- الكويت، (1398هـ) ، ص (15) .
(2) المراد هنا بالمفهوم العام وإلا فإن في بعض مجاهل العالم من يعيش بلا حضارة.
(3) الحضارة، أحمد حمدي محمود: - سلسلة «كتابك» - القاهرة 1997م- ص 8 - 10، أيضًا مؤنس، الحضارة، ص 15 - 28.
(4) مؤنس: المصدر السابق ص 55 - 56، 179 - 181 بتصرف.