فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 579

الإيجابي لمواجهة ضرورات الطبيعة، تجاوبًا مع إرادة التحرر في الإنسان، وتحقيقًا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته ورغباته ولإنقاص العناء البشري» [1] .

أما أرنولد توينبي [2] ، فهو يرى أن الحضارات خلاصة التاريخ، وأنها تتقوى كلما كانت هناك تحديات كبيرة تفترض استجابة مناسبة لها [3] . وثمة تقارب كبير في الرؤى بين شبنغلر وتوينبي، وكذلك مع صاموئيل هنتنجتون صاحب أطروحة (صراع الحضارات) ، سواء على مستوى رؤيتهم للعالم أم من حيث مفهومهم للحضارة أو لوضعها كفاعل في الصيرورة التاريخية.

ويبدو أن هنتنجتون زج نفسه في التاريخ وتوقع حدوث صدام للحضارات، وكان متأثرا إلى حد كبير بفرنان بروديل [4] ، ويرى الأخيران أن الحضارة تتميز بكونها تجسد الوقائع ضمن حقب تاريخية طويلة، وهي تترسخ بعمق وقوة في فضائها الجغرافي. وقد طالب فرنان بروديل بضرورة تفهم الصراعات الثقافية الكبرى للعالم، فمستقبل البشرية لن يعرف مسارًا واحدًا مرتبطًا بالحضارة الغربية، بل إن العالم سيشكّل على أساس تعدد الحضارات.

فالحضارة عند بروديل هي استمرارية تاريخية مرتبطة بعمق التاريخ الواسع، وهي حصيلة التفاعلات الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية والتاريخية، والصدامات الحضارية العنيفة لم تشكل استثناء بل كانت طابعًا لجدلية التاريخ [5] .

ويفرق شبنغلر بين مصطلح الثقافة (Culture) التي تمثل مرحلة الفتوّة والازدهار والإنتاج الروحي، وبين مصطلح الحضارة (Civilization) التي تمثل الإنتاج المادي. ويميل الفكر الألماني منذ القرن التاسع عشر إلى منحى الاعتبار لمفهوم الثقافة على حساب مفهوم الحضارة، هكذا نجد طونس (Tonnies) وألفرد فيبر

(1) المدينة، جورج باستيد، ترجمة: عادل العوا - طبع دمشق - ص 12 وما بعدها.

(2) أرنولد توينبي (1889 - 1975) مؤرخ وعالم اجتماع بريطاني درس تاريخ الحضارات، وتوصل إلى نظرية الدورات الحضارية. ينظر له: (الحضارة في الميزان) ، وزارة الثقافة السورية، دمشق، الطبعة الثانية (2006م) ، ترجمة: أمين محمود الشريف.

(3) أزمة الحضارات في القرن العشرين، روبرت غرين، ترجمة: عمر ديوب، مجلة المجتمع، 1995، ص 36.

(4) فرنان بروديل (1902 - 1985م) من رواد ومؤسسي مدرسة الحوليات (Ecole des Annales) التي أحدثت تغييرًا جذريًا في مجال مفهوم تناول وكتابة التاريخ، وقد حاول بروديل نزع التاريخ من الإطار الضيق للزمن القصير وتوظيف مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية في الدراسات التاريخية، من أهم مؤلفاته: (( البحر المتوسط والعالم المتوسط في زمن فيليب الثاني ) ). ترجمة: مروان أبي موسمرة، نشر المؤسسة العربية للجامعات، بيرت 1993م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت