وإذا كانت «المدنية» هي الجانب المادي أو التكنولوجي في الحضارة؛ فإن أساس الحضارة المعنوي الفكري الذي تقوم عليه الحضارة بمعناه الشامل الجامع Culture هو وجود نظرة إلى العالم أو نظرة جامعة Weltanschaung كما يقول المفكرون الألمان. وهذه هي الحضارة بمعناها الأخص، وقد يطلق عليها في تعبيرنا العربي المعاصر لفظ «ثقافة» ، وهو لفظ دائر عندنا بين مدلولات مختلفة، من زيادة المعرفة والصقل وما كان يقابل «الأدب» عندنا في عصر سابق حين كان يعني «الأخذ من كل معرفة بطرف» ، وهو قريب مما يعنيه اللفظ Culture عند الفرنسيين إلى ما يقابل اللفظ Culture حين نقصد الحضارة عند الإنجليز والألمان والأمريكيين [2] .
ويمكن أن نلخص مجمل الأقوال مع ما ذكره هنتنجتون حول الحضارة والثقافة فيما يأتي:
-يضع المفكرون الألمان حدًا فاصلًا بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم
(1) (*) هذه الكلمة الألمانية تنطق (فيبر) حسب إفادة أ. د. محمد وقيع الله.
أما طونس فهو عالم الاجتماع الألماني، له كتاب (( الجماعة والمجتمع ) ).
(2) يرى باحث عربي معاصر أن نستعمل لفظ «الثقافة» لما يكون «من صنعنا ويبرز اختلافنا كأفراد، ولذا قلما تشابهت ثقافتان، ولا تتحقق الثقافة إلا باكتمال الشعور والوعي. بينما الحضارة وتراثها أشياء نرثها وتنتقل إلى وجداننا وعقولنا بطريقة لاشعورية في الأغلب. والثقافة هي التي خلفت الحضارة، فالحضارة تأتي إلى المجتمع عن طريق أفراد مميزين كانوا على وعي بروح العصر وتوفرت لهم القدرة النظرية والعملية (أحمد حمدي محمود: الحضارة ص 28 - 29) . ويرى حسين مؤنس أن نستعمل الثقافة «لا في الدلالة على الإطلاع الواسع والمعرفة الغزيرة، إذ إن الفلاح والعامل لديهما حصيلة من المعلومات والمفاهيم الذاتية والقيم المحلية، ولا في معنى (الأدب) أي الأخذ من كل شيء بطرف كما قال الجاحظ، بل في (مجموع) المعلومات والمعارف والممارسات والقيم الخاصة بشعب، والتي يعيش بمقتضاها وهي التي تميزه عن غيره من الشعوب لأنها تعبير صادق عن شخصيته وملامح هذه الشخصية وطريقته الخاصة في الحياة. وهذا معنى جديد في كل اللغات عبر ثلاثين سنة .. «وعلى هذا تكون لنا حضارة يشترك معنا غيرنا وثقافة خاصة بنا» على أن حسين مؤنس يشير أيضًا إلى تكون ثقافة عالمية أو عامة Universal بفضل وسائل الاتصال الجماهيرية Mass Media إلى جانب الثقافة الخاصة بشعب ما، وما يتفرع عنها من ثقافات محلية أو تحتية أو فرعية Sub-Cultures (الحضارة ص 370 - 390) . ويرى د. محمد الأحمري، أن كلام حسين مؤنس هو الأقرب للصواب، لأنه أصبح عرفًا معتمدًا. ينظر: مخطوط اللقاء الكامل مع الدكتور بتاريخ 13/ 3/ 1429هـ.
وينظر تفصيل اتجاهات ترجمة الكلمة إلى (مدنية) أو (حضارة) كتاب: (( العنصرية وصدام الحضارات ) )مرجع سابق (76 - 80) فقد جمع هذه الاتجاهات في الترجمة.