فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 579

وعواملها الحقيقية، وفي الوقت نفسه تشحنه بمشاعر العنصرية والكراهية والعداء ضد الآخر غير الغربي.

ويتساءل المفكرون الغربيون في أوروبا وأمريكا: (( هل سنشهد اقتسام العالم بين الإمبراطورية والبرابرة الجدد ) )؟ من دون أن يُعلَن عنها بشكل واضح، فإن هذه الفرصة كثيرة الانتشار عند الأنجلو ساكسونيين، وتفترض إقامة تحالف أكثر اتساعًا بين الغربيين، حيث سيكون احتكار التكنولوجيا العالية موزعًا فيما بينهم، وهذا ما سيضمن تفوقهم العسكري [1] .

إن أطروحة صدام الحضارات لا تعير اهتمامًا كبيرًا للتفاعل والحوار بين الحضارات، بل على العكس من ذلك يحكمها منطق البقاء للأصلح، والأصلح هو القادر على تحقيق الهيمنة والتفوق العسكري، فنحن نعيش في مجتمع دولي تسوده معايير القوة ويسيطر عليه الأقوياء. وهناك نوع من الاستسلام لهذه الظاهرة وعودة إلى الداروينية [2] السياسية والاجتماعية التي تبشر الأقوياء بالبقاء والضعفاء بالاندثار، وهذا ربما ما لا يحذّر منه هنتنجتون بل يبشر به في أطروحته [3] .

ويعتقد الكثير من المحللين أن صدام الحضارات رؤية تاريخية فلسفية مأساوية وذات نزعة تشاؤمية بمصير الإنسانية عند نهاية الألفية الثانية. وقد نبه فرانسيس فوكوياما إلى ضرورة الوقوف ضد هذه الموجة الفكرية التشاؤمية الجديدة التي تجتاح الغرب، والتي يتزعمها مجموعة من الإعلاميين والأدباء والمفكرين الغربيين الذين لا يفهمون جيدًا واقع الوضعية الراهنة ويحاولون تضخيم خطورة المشكلات التي يواجهها العالم [4] .

وفي الإطار نفسه نجد أن وزير الخارجية البريطانية (روبين كوك) يشير في محاضرته في المركز الإسماعيلي في لندن في 8 أكتوبر 1998م إلى أن جذور الثقافة الغربية ليست يونانية أو رومانية الأصل فحسب؛ بل هي إسلامية أيضًا، ويبين أن التحديات التي نواجهها تحديات عالمية، ويرفض مقولة صراع الحضارات، وأن الإسلام هو العدو الجديد للغرب ويقول: (( إن البعض يقول: إن الغرب بحاجة إلى عدو، وبما أن الحرب الباردة قد ولت إلى غير رجعة، فإن الإسلام سيأخذ مكان الاتحاد السوفييتي القديم كعدو، ويقولون: إن صراع الحضارات قادم وأنه لا مفر منه، وأنا أقول: إنهم مخطئون، بل ومخطئون خطأ فادحًا، فنحن لسنا بحاجة إلى الإسلام كعدو، بل نحن بحاجة إلى الإسلام كصديق ) ).

ويشير إلى أن (( الغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير، فالإسلام قد وضع الأسس الفكرية لمجالات عديدة مهمة وكبيرة في الحضارة الغربية، إن ثقافتينا قد تشابكتا مع بعضهما البعض عبر التاريخ والأجيال، وهي تتشابك أيضًا في وقتنا الحاضر ) ).

ويبرز كوك أهمية الحوار بين الجانبين ويقول: (( اليوم أريد أن أقترح بأن نبدأ حوارًا جديدًا جديًا بين أوروبا والعالم الإسلامي، فقد حان الوقت لكي يبدأ الاتحاد الأوربي ومنظمة المؤتمر الإسلامي [5] بالحديث مع بعضهما البعض على أعلى مستوى ممكن ) ) [6] .

فإذا اتجهنا شطر أكبر دولة في أوربا، ونعني بها ألمانيا، فإننا نجد اتجاهًا مماثلًا رافضًا تمامًا لفكرة صراع الحضارات، ومتبنيًا أسلوب الحوار الحضاري، وقد ذهب الرئيس الألماني (رومان هيرتسوج) خطوة أبعد في هذا المجال بالدعوة إلى عقد مؤتمر في العاصمة الألمانية برلين للحوار بين الحضارتين الإسلامية والغربية.

وقد وجه الدعوة إلى رؤساء خمس من الدول الإسلامية هي: مصر، والمغرب، والأردن، وإندونيسيا، وماليزيا، ورؤساء خمس من الدول الأوربية هي: إيطاليا، وإسبانيا، والنمسا، والنرويج، وفنلندا، بالإضافة إلى ألمانيا الدولة المضيفة، وتم اللقاء في 23 أبريل 1999م على مستوى المراكز البحثية المتخصصة.

وقد اشترك في المؤتمر أيضًا ممثلون لدول أخرى مثل إنجلترا وفرنسا وسويسرا والسويد ولبنان، وصدر عن المؤتمر (بيان برلين) الذي يمثل خطة للعمل المستقبلي، وقد تضمن البيان العديد من التوصيات التي تدعم الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، وتستشرف مستقبل العلاقات بين المجتمعات الإسلامية والغربية [7] .

وبالإضافة إلى ذلك صدر في شهر مايو 1999م كتاب للرئيس الألماني بعنوان (الحيلولة دون صدام الحضارات - إستراتيجية السلام للقرن الحادي والعشرين) ، وقد

(2) الداروينية في التطور نسبة إلى داروين (1809 - 1882م) ، وهي أكثر المذاهب الفلسفية أثرًا في القرن الماضي حيث تقوم على مبادئ الانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء، والبقاء للأصلح. ينظر: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، (2000م) .

(3) المرجع السابق.

(5) هي منظمة عالمية تضم في عضويتها الدول الإسلامية ولها أهداف عدة منها تعزيز التضامن الإسلامي ودعم الدول الأعضاء، وتنسيق الجهود وتفعيلها، تم تأسيسها في جدة 18 محرم 1392هـ، ينظر (( منظمة المؤتمر الإسلامي: دراسة لمؤسسة سياسية إسلامية ) )د. عبد الله الأحسن، ترجمة د. عبد العزيز الفايز، ط2 (1414هـ) .

(6) مجلة منبر الإسلام، مصر، شعبان (1419هـ) (55 - 58) (النقول الثلاثة السابقة) .

(7) وستأتي الإشارة إليه في الباب الرابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت