فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 579

هـ- تاريخ حوار الحضارات والفرق بينه وبين تقارب الأديان:

يدعو الإسلام إلى مد جسور العلاقة والتواصل - بشكل أو بآخر - مع كل من يصله خطابه، إنها رسالة اتصالية من طبيعة خاصة تقوم على منهج تبادل الحجة والبرهان بين أبنائها من جهة، ومع من لم يعلم شيئًا عنها، ومن استغلق عليه شيء منها، أيًا كان موقعه، وأيًا كانت إقامته بين المسلمين أو خارج ديارهم.

من هنا كانت بلاغة عظمة التعبير عن هذا المنهج الدعوي في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] . فلا إعلام بالإسلام ولا هدى إلى سبيل الله إلا بالدعوة إليه، ولا دعوة إلا بالحكمة والحكمة تستتبعها وتلتحم بها الموعظة، ولكنها ليست أية موعظة، إنها الموعظة الحسنة، ولا قيمة لكل ذلك إلا إذا امتد هذا الإحسان إلى الجدال حولها، والجدال عنها، والإحسان في القول، والإحسان في العمل والإحسان في أخلاق القول وأخلاق العمل [1] .

إن الحوار لبنة أساسية ومحورية في بناء الإسلام ونقله حضاريًا من نطاق التشريع والنصوص إلى نطاق التفعيل، ومن نطاق الأحكام إلى نطاق التشغيل، ومن نطاق الحق المنزل إلى نطاق الحقيقة المعاشة.

ولذلك تعددت أفاق الحوار في القرآن والسنة، وتعددت مجالات وجهته فيهما وتعددت من ثم قضاياه ومحاوره، وتنوع القائمون به. ويشهد عصر النبوة، بل تشهد أيضًا العصور التالية له تعددًا مماثلًا في الأفاق والمجالات والقضايا والمحاور والأطراف. وهكذا امتدت مساحة الحوار في تلك الآونة [2] .

لقد دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حوار الحضارات منذ الستينيات من القرن المنصرم ثم انتهى الحوار إلى أوراق نُشرت في كتب وأذيعت في صحف لكنها لم تثمر نتائج ملموسة حتى الآن، وعندما ترددت في أرجاء العالم السياسية والفكرية نظرية (هنتنجتون) عن (صدام الحضارات) كان البديل المنطقي الذي تمت المسارعة إلى استدعائه هو (حوار الحضارات) الذي تمت الدعوة إليه بقوة في جميع المحافل والملتقيات، وعُملَ على إنجاحه قصد تجنيب العالم ويلات الصراع وكوارث الصدام الحضاري. وإذا كانت جهات غربية كثيرة قد دأبت على الدعوة إلى حوار

(1) يُراجع تفسير ابن كثير 4/ 614، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط. 1420هـ/1999م.

(2) من خبرات حوار الحضارات، د / مصطفى منجود، أعمال الندوة التي عقدت في القاهرة يومي 30 و31 أكتوبر 2002م - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ص 351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت