فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 579

الحضارات وفق شروط وضوابط معينة أملتها ظروف التفوق والاستعلاء الغربي، فإن الطرف الإسلامي لم يكن بعيدًا عن فكرة تنظيم مؤتمرات وملتقيات دولية لترسيخ آليات الحوار الحضاري من طرف مؤسسات ومنظمات ثقافية، إيمانًا بأن (حوار الحضارات) يعتبر مطلبًا إسلاميًّا مُلحًّا يدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة.

وبقدر ما تعظم الحاجة إلى حوار جدي بين الثقافات والحضارات لإقامة جسور التفاهم بين الأمم والشعوب لبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحضاري، تقوم الضرورة القصوى لتهيئة الأجواء الملائمة لإجراء هذا الحوار ولإيجاد الشروط الكفيلة بتوجيهه الوجهة الصحيحة. إن نقطة الانطلاقة الأولى لأي استجابة فعالة تبدأ من خلال فهم الذات وفهم الآخر، ففي البداية يجب أن نتعرف إلى واقعنا كما هو بالفعل من دون رهبة أو خجل ومن دون تهوين أو تهويل، ثم التعرف إلى الآخر وفهمه، وهو هنا الغرب وحضارته.

إن الانعزال والتقوقع والانغلاق على الذات في عالم اليوم الذي تحول إلى قرية صغيرة بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة هو بحد ذاته عملية تكريس لانتصار الحضارة الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحضارية الذي يُفقدنا خصوصيتنا الحضارية ويحولنا إلى نقطة على هامش حضارة الغرب.

والإسلام - دينا وحضارة - عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد صهر العالم في حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فهو يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، ولكنه مع ذلك لا يريد للحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، وإنما يريد الإسلام لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام، بخلاف الهيمنة الغربية التي تسعى إلى قسر كل الحضارات لها.

ولمَّا كان الإسلام دينًا عالميًا وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى إجبار العالم على التمسك بدين واحد، إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة: 84] ، وقال أيضًا: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 ـ 119] [1] .

وفي وقتنا الحاضر ومع تطور وسائل الإعلام وسيطرة الغرب عليها والتحكم

(1) ينظر: أمريكا بين الهنود والعرب، د. نبيل خليل خليل، دار الفارابي، بيروت، ط1 (2003م) (17 - 32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت