فيما تنشره، يُشوّه الإسلام ويُرمى بالتهم الباطلة والأكاذيب المضللة، فلا يمكن اعتبار الحوار مجرد ترف فكري، لأنه أصبح ضرورة عالمية لا مفر منها طالما كان الإنسان جادًّا مخلصًا في سعيه نحو السلام والعدل والتعايش وتفادي أسباب القلق والحروب المدمرة، ولذلك فإن دواعي الحوار وضروراته في الزمن الحاضر كثيرة جدًا تتمثل في توجه العالم نحو التكامل في المجالات كلها، والخوف من الحروب الإقليمية والعالمية، والسعي من قبل الدول القوية المسيطرة على مقدرات الشعوب الضعيفة، وتنامي الصراع الأيدويلوجي بين الديانات والفلسفات المتعددة ومحاولة كل منها كسب أرضية جديدة وأتباعا كُثُرًا.
ثم أثارت أحداث 11 سبتمبر 2001 م رعبًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوربي ومؤسساته المختلفة وتم الحديث عن ضرورة استبعاد مقولة (( صراع الحضارات ) )والبدء فعليًا في اتباع سياسة فعلية ونشطة ومثمرة في مجال الحوار ما بين الثقافات والحضارات.
ومن هذا المنطلق أعلن رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوربي في قمتهم المنعقدة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 م مباشرة _ الذي اعتبروه عام (( حوار الحضارات ) )_ ضرورة منع أي إرهاب قادم من العالم العربي والإسلامي، وضرورة تشجيع الحوار بين المتساويين المتكافئين Dialogue of Equals في منطقة المتوسط في إطار صيغة برشلونة، وعبر تنشيط وسائل أخرى متعددة لاتباع سياسة ثقافية وقائية.
كما بادر البرلمان الأوربي بعقد لقاء غير عادي للمنتدى البرلماني الأوربي المتوسطي في 8 نوفمبر 2001م للتعهد أيضًا بضرورة تكييف الحوار ما بين الحضارات وتنويع أشكاله وتوسيع مجالاته لتحقيق التفاهم المتبادل بين الشعوب وتفادي الصدام.
واستجابة لهذا الاهتمام بضرورة إتباع مدخل حديث في التعامل مع الحوار ما بين الحضارات، نظمت الإدارة العامة للثقافة والتعليم بالمفوضية الأوربية، وبالتعاون مع برنامج (( جان مونيه ) )التابع لمركز الدراسات الأوربية المتقدمة بفلورنسا، مؤتمرًا علميًا كبيرًا في مدينة بروكسل في الفترة من20 - 22 مارس 2002م لمناقشة وإعلان الخطوط العريضة للمبادرة الجديدة بالاتحاد الأوربي، في حوار ما بين الثقافات والحضارات، والتي تم رفع نتائجه وتوصياته إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول الأوربي المتوسطي، الذي انعقد في بلنسية (فالنسيا) في الفترة من 22 - 23 إبريل 2002 م لتفعليها وإعلان الموافقة على إنشاء المؤسسة الأوربية المتوسطية لتنشيط التفاهم المتبادل والتعاون والتبادلات في القضايا الثقافية لتعزيز الحوار ما بين الثقافات والحضارات [1] .
(1) ملتقيات البعد الثقافي في الشراكة الأوربية المتوسطة، د/ وفاء الشربيني، ضمن كتاب (( من خبرات حوار الحضارات ) )، مكتبة كلية السياسة والاقتصاد بجامعة القاهرة، 2003 م، ص 93. وينظر: الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان، سامر رضوان أبو رمان، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط2 (1426هـ) .