والمؤمن مصلح آمر بالمعروف والخير، ناهٍ عن المنكر والشر، حريص قدر المستطاع على دفع الباطل بالحق، والجهل بالعلم ... فالتعايش نوع من التعاون والتعارف في المشترك الحضاري والإنساني، وتبادل الخبرات التي تعين الإنسان على عمارة الأرض، ونشر قيم الخير التي يتفق الناس على الاعتراف بها، وذلك كله نوع من فتح المجال لنشر الإسلام ودعوته، وذلك كله لا يعني الدعوة لأفكار المختلف أو شرعيته دينيًا، بل القبول بالتعايش الدنيوي لفتح الحوار دينيًا ودنيويًا )) [1] .
إن المقصود بحوار التعامل والتعايش أن يعيش المسلم مع غيره في هذه الأرض على أسس الالتزام بدينه، وثوابت عقيدته، لكن مع تعامل وتعايش رسمه هذا الدين، فهو يأخذ ما له، ويعطي ما عليه، وفق أخلاق عالية عظيمة يرسم بها منهج دينه، ويدعو من خلالها إلى هذا الدين ليكون مثالًا يحتذى به في الأخلاق والتعامل.
إن النموذج العظيم للتعايش هو أنموذج المدينة المنورة، عاصمة الإسلام، ومنطلق دعوة آخر الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -، ففي مرحلتها الأخيرة، شاء الله تعالى أن يعيش في المدينة مع الصحابة الكبار والسابقين الأولين والأنصار، نفر من اليهود والمنافقين ... بل سافر جمع من هؤلاء الصحابة للتجارة عن طريق المهاجرين للحبشة في تعامل وتعايش عظيم كان له أثره على القارة حتى وقتنا الحاضر.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] . أي ليعرف بعضكم بعضًا في النسب وقرب القرابة وليس لفضيلة لكم في ذلك، فلا بترفع أحد على أحد بسبب أصل الخلق والنسب فإن أكرمكم عند الله أتقاكم [2] ، وها هم المسلمون في بلاد الغرب يتعاملون مع أهل تلك البلاد ويعيشون معهم دون أن يتنازلوا عن دينهم أو يسقطوا واجباتهم الدينية، ولهذا نلحظ انزعاجًا من هجرة العرب والمسلمين إلى الغرب، وهاهي الأحزاب اليمينية في أوربا تريد طرد العرب والمسلمين، وهو أمر كان يمكن أن يحدث لو نجح اليمين المتطرف في فرنسا في الانتخابات الأخيرة، وقس على ذلك ما حدث في ألمانيا، وفي المجمل هناك تصورات أن الحضارة الإسلامية تمثل تهديدًا للثقافة العالمية ونظام المعيشة.
من هنا انبرى الكثيرون من مفكري الغرب إلى نبذ فكرة التعامل والتعايش مع الشعوب الإسلامية التي تمثل تهديدًا للغرب، بل يذهب البعض لأبعد من هذا حيث وضع هنتنجتون الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية في تحالف واحد
(1) التعايش الحضاري، مقال د. سلمان العودة، موقع الإسلام اليوم، وهو من ضمن الأسئلة التي أجاب عنها الدكتور مقدمة من الباحث بتاريخ 20/ 8/ 1428هـ. ... www. islamtoday. net
(2) ينظر: تفسير الطبري، مرجع سابق (21/ 386) .