وإن حلقت طائراتهم تتبختر في طول السماء وعرضها فخاطبها ومن فيها ومن صنعها ومن أرسلها، خاطبهم جميعًا: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} ، فالله أعلى من طائراتكم وأشد بطشا.
وإن نازلتموهم وجهًا لوجه فَكَبُر عليكم عددهم فكبّروا عليهم قائلين: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} .
وأخيرًا؛ إن لاحت حبائل الشيطان بالتشكيك بيقين نصر الله، فقطّعها بقوله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} .
فهؤلاء ما عرفوا إسلامنا، فأروهم أيها الغرباء إسلامنا، ولا تخدعنكم العبارات المعسولة واللافتات الزائفة، أروهم أحفاد خالدٍ والمثنى وعَمْرٍ وموسى.
هذا يوم القادسية حين حمى الوطيس واستكلب الموت على الأبطال هتفت سلمى زوج سعد - وكان سعد قد تزوجها بعد موت زوجها المثنى - هتفت حين لم تجد المثنى يسوق الأجناد والفرسان للجلاد، هتفت قائلة: (وا مثناه ... ولا مثنى اليوم للخيل ... وا مثناه ... ولا مثنى للمسلمين اليوم ... القوم أقران ولا مثنى لهم) .
ما زال يروي لنا التاريخ قصتهُ فكم حيث على شوق رويناهُ
وكم حديث على الحباب أطربنا ... وزادنا طربًا لما أعدناهُ
وقع الحوافر يا بغداد أغنية ... ثراك ينشدها والرمل أفواهُ
وحمحمات خيول الله تطربني ... الحرب دائرة والناصر اللهُ
صهيلها في دروب الحق يملكني ... فكم أذوب بها وجدًا وأهواهُ
هذا المثنى يُروي الأرض من دمه والعين في رؤية الأحداث عيناهُ
لم يستعر مقلة أخرى ولا شفة ... أخرى ولم تصغ للتضليل أذناهُ
كيانك الضخم يا بغداد حصّنهُ سيف المثنى ونور الحق جلاهُ
النور فوق ذراع الشمس صبّحه والنور فوق ذراع البدر مساهُ
ورحم الله موسى بن نصير فاتح المغرب ومتمم فتح الأندلس، كيف كان ينتصر؟
حين سأله الخليفة: (ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك؟) ، قال موسى: (التوكل والدعاء إلى الله، كنت أنزل السهل وأستشعر الخوف والصبر، وأتحصن بالسيف والمغفر وأستعين بالله وأرغب إليه في النصر) ، قال له الخليفة: (فأخبرني عن الروم؟) ،