الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ.
الأمر الثاني: ليس الذلة أن يقتل المرء أو يعتقل، ولكن الذلة أن يعيش عاجزا عن تطبيق شرعة ربه في الأرض، والذلة أن ترى اليهود يسرحون ويمرحون بين ظهراني المسلمين وأنت صامت لا تستطيع حراكا، ومكبل لا تستطيع فكاكا، والذلة أن يتمكن الصليبيون وأعوانهم من بسط سيطرتهم وبناء قواعد لهم ثم الإنطلاق منها لقتل المسلمين ومحاربة الله ورسوله، والذلة أن ترى أخواتك وهن يصرخن من قهر السجان الصليبي وأنت مرتاح البال قرير العين.
لا يستوي المصرفان وحاشا ...
فالأول؛ في غضب الله وسخطه، مع الذلة والهوان والخسران في الدنيا والآخرة، والآخر؛ في رضى الله ورضوانه، مع العزة والكرامة والفوز المبين في الدنيا والآخرة، وهذا يبين من أن القعود عن الجهاد والركون إلى الدنيا والإخلاد إليها والاستكانة لحكم الطاغوت وقهره، وتطاول الزمن على ذلك؛ ينتج أجيالا خانعة، ذليلة، مهانة، استمرأت الذل والمهانة، وألفت حياة القهر والعبودية لغير الله، فلم تعد تنكر شيئا من ذلك، فضلا عن أن تدفعه، فهي أجيال تساق؛ فتنساق، وكفى من ذلك فتنة من جراء ترك الجهاد لمن في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.
ولذا فإن إطفاء شعلة الجهاد وجدوته في الأمة هو في حقيقة الحال وبالنظر للمآل؛ تسليم لهذه الأمة لأعدائها، طيعة ذليلة، وحسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء الذين شغفوا بالحديث عن فتنة الجهاد ومفاسده، ولم ينبسوا ببنت شفة عن فتنة ترك الجهاد ومفاسد القعود عنه، وما أصدق قول شوقي:
ومن العقول جداول وجلامد ومن النفوس حرائر وإماء
فضريبة الجهاد في سبيل الله، مهما تعاظمت وكبرت، فإنها لا يمكن أن ترقى إلى ضريبة الذل والهوان وما يتبعها من ذهاب الدين والدنيا إن لم ترفع، مع التذكير بأن الطاغوت لا يقف عند حد من طلب العبودية له، حتى يسلخ العباد تماما من دينهم، مع ضياع الدنيا، وفي الآخرة؛ عذاب النار وبئس المصير، فهل هناك فتنة أعظم من هذه الفتنة، وهل هذه الفتنة تقارن بالحرص على نفس أو مال أو منصب أو جاه أو مكانة تنظيمية أو منزلة