فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 339

الرد على من عيّرنا بالجهل

إن الجهل الذي يعيبونه علينا هو حجّة عليهم لا لهم، لأننا وجدنا المجاهدين من أولهم إلى آخرهم يتمنّون لو أنّ العلماء كانوا بينهم، يعلمونهم ويرشدونهم ويوجّهونهم إلى أقوم السّبل.

فما ذنب المجاهدين إن تقاعس الذين أوتوا نصيبا من الكتاب عن الجهاد ونكلوا عنه وركنوا إلى الدنيا ورضوا بها؟

وما ذنب المجاهدين إن كان هؤلاء المنتسبون إلى العلم قد حُرموا الغيرة الدينية ونُزعت من قلوبهم الحميّة الإسلامية، حتى صارت عرى الإسلام تنقض عروة عروة، وبلاد الإسلام تنزع قطعة قطعة، وأمم الكفر تداعى على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة على قصعتها وهم واجمون لا يحرّكون ساكنا، ساكتون لا ينطقون ببنت شفة؟

فما ذنب المجاهدين إن كانت قلوب هؤلاء الهلكى باردة وأعصابهم فاترة وعزائمهم خائرة وهممهم هابطة؟

فلو طلبنا من كل مسلم ليس معه حظ من العلم؛ أن لا يغار على دينه حتى يغار عليه هؤلاء"العلماء"، وأن لا يدفع عدوا صائلا حتى يفتي بالجهاد هؤلاء"العلماء"؛ لهلك الدين ومُحيت آثاره، واندرس الإسلام واستبيحت دياره، ولمال الكفار على المسلمين ميلة واحدة فعاثوا فسادا في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، لأن هؤلاء العلماء لن يفتوا بالجهاد حتى يأذن بذلك الملوك والرؤساء، والملوك والرؤساء لن يأذنوا بذلك أبدا، لأن وجودهم في السلطة وبقاءهم فيها مرتبط بولائهم للكفرة المعتدين.

هل تعلمون أن هؤلاء"العلماء"ليسوا هم الذين أفتوا بالجهاد أوّل مرّة في أفغانستان؟ بل الذين بادروا بالجهاد في حرب أفغانستان الأولى هم ثلّة من الشباب الأبطال الذين تحدّوا بإيمانهم وغيرتهم على الدّين أعتى قوة عسكريّة في ذلك الوقت - الإتحاد السوفياتي - رغم أنه لم يكن معهم كبير علم.

أما علماء الحكومات في البلدان الإسلامية؛ فلم يباركوا ذلك الجهاد ولم يلتحقوا بالقافلة إلا بعد أن أذن الملوك والرؤساء، وهؤلاء لم يأذنوا حتى أوعزت لهم بذلك أمريكا، وأمريكا لم تساعد المجاهدين الأفغان إلا لأنها كانت في حرب باردة مع المعسكر الشرقي بزعامة الإتحاد السوفياتي - ونستثني طبعا من هذا العموم الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، لأن الرجل كان من علماء الدين ولم يكن من علماء الدنيا -

وهل تعلمون أنهم لم يفتوا بالجهاد في فلسطين ولا حرّضوا عليه ولا نصروا أهله حق النّصرة؟ بل إن الذين أشعلوا فتيل الجهاد في فلسطين هم أطفال المسلمين الذين بارك الله لهم في حجارتهم، حتى أرغموا اليهود على القبول بإنشاء سلطة فلسطينية في الضفة والقطاع، ولكن ليس بقيادة الفئة المجاهدة، وإنما بقيادة تلك الفلول المنهزمة من جيش"منظمة التحرير"الذين فرّوا أول مرة من فلسطين إلى لبنان، ثم فرّوا مرّة أخرى من لبنان إلى تونس، ثم قالوا كما قال بنوا إسرائيل لنبيّهم: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ، وبالفعل لم يعد هذا الجيش مع قياداته إلى فلسطين حتى خرج اليهود مدحورين وعُبِّدت لهم الطريق بأشلاء وجماجم أطفال الحجارة.

أمّا في حرب الحلفاء على أفغانستان ثم على العراق؛ فقد أتى هؤلاء العملاء الخونة بالعجائب، فعوض أن يفتوا بوجوب جهاد الكفار أفتوا بجواز الاستعانة بالكفار على المسلمين، حتى بلغوا درجة متقدمة من الزندقة لم يسبقهم إليها إلاّ القليل عبر التاريخ.

إن الذي يؤيد التحالف اليهودي/الصليبي ويفتح أرضه لجيوشهم ويمدّهم بالمال ويساعدهم على قتل وإذلال شعب من شعوب الإسلام؛ لا يمكن أن نعدّه من المسلمين، فضلا عن أن نعدّه من علماء المسلمين.

يفعلون كل هذه المخازي ثم يسخرون من الشباب المجاهد ويستهزؤون بهم ويضحكون من قلّة تحصيلهم وسوء ثقافتهم، ووالله لقد وجدنا هؤلاء الشباب أعظم غيرة على دين الله وأشدّ حبا لله ولرسوله منهم، ووجدناهم أطوع لله ولرسوله وأصدق مع الله وأسلم فطرة منهم، فيا ليتهم حين حذّروا الناس من فتنة العابد الجاهل بيّنوا لهم أنّ فتنة العالم الفاجر أشدّ وأخطر، لأن الأول يشبه الضالّين الذين يعملون بغير علم، وأما الثاني فيشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه.

ويا ليتهم بيّنوا للنّاس أن لزوم عبادة تورث الإيمان - كالجهاد - أفضل من لزوم عبادة تورث العلم، لأن العلم وسيلة والإيمان غاية، والإيمان قبل العلم قال الله تعالى: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} .

والله تعالى كتب النجاة من النار والفوز بالجنّة للذين آمنوا وعملوا الصالحات، أما العلم المجرّد العاري عن الإيمان فهو حجة على صاحبه يوم القيامة.

فالأمّة اليوم بحاجة إلى مجاهدين يكفّون عنها بأس الذين كفروا، وحاجتها إليهم أعظم من حاجتها إلى خطب هؤلاء ودروسهم ومواعظهم العقيمة.

فالمجاهدون اليوم في جبالهم وشعابهم أفضل عند الله من هؤلاء الموظّفين في محاريبهم ومقصوراتهم، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

نعم، إن العلم ضروري للقائم بفريضة الجهاد، مثلما هو ضروري للقائم بفرائض الإسلام الأخرى، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كما أنه إذا خلا زمان من الأزمنة أو مكان من الأمكنة من العلماء لم تسقط عن الناس الصلاة وسائر الفرائض، فكذلك لا يسقط عن الأمّة فرض الجهاد إذا لم يوجد بين المجاهدين علماء.

عجبا كيف يكون المسلم شهيدا إذا قتل دون ماله ولو كان من جهلة المسلمين وعوامّهم! ويكون شهيدا إذا قتل دون عرضه وإن كان من رعاع المسلمين ودهمائهم! ولا يكون شهيدا إذا قتل دون دينه حتى يكون من فقهاء المسلمين وعلمائهم!

أليس الدين مقدّما على النّفس والعرض والعقل والمال في شريعتنا؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} .

إن العبد إذا أراد الخروج للجهاد ثم سعى جهده فلم يجد إلاّ خنجرا، فلا شك أن هذا لا يلحقه اللّوم لأنّه أدّى الذي عليه، وإنّما اللّوم والتهديد يلحق الذي يملك المال والسلاح والرجال ثم يقعد عن الجهاد، وكذلك من جدّ واجتهد في تحصيل العلم الشرعي لينصر به الدين ويخدم به الجهاد ثم لم يبلغ درجة مرضية من العلم؛ فهو بكل تأكيد غير ملوم، ولكن الملوم الذي يلحقه الوعيد الشّديد هو الذي يملك الشهادات الجامعية، والألقاب العلمية الضخمة ويملك السمعة والشهرة والخبرة ثم يوظّفها في الصدّ عن سبيل الله ونصرة الباطل.

إن الله قد أمرنا بالإعداد المادي ورفع عنّا الحرج، فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وأمرنا بالإعداد الإيماني ولم يكلّفنا ما لا نطيق، فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، ونحن - بحمد الله تعالى - نجاهد أعداء الله بما استطعنا إعداده من قوّة، وندعو إلى الله وننصر دينه بما استطعنا تحصيله من علم ومعرفة، ونسأل الله العون والتأييد والسداد.

فالواحد منّا لن يضّره جهله بعد أن وفّقه الله فكان من زمرة المؤمنين، والواحد منهم لن ينفعه علمه بعد أن أغواه الشيطان فانحاز إلى صفّ المجرمين، بل علمه يكون سببا لتشديد الحساب عليه، وربما أذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات.

ومن رحمة الله بالمجاهدين أن جعل لهم من ضيق الجهل مخارج كثيرة لا مخرجا واحدا، فسلفنا الصالح وخيار أمّتنا وعلماؤها الجهابذة وأئمّتها الرّاسخون في العلم وفضلاؤها المشهود لهم بالتقوى والورع والصّلاح الذين ختم الله لهم بالحسنى؛ لا زالوا كأنهم بيننا أحياء، والمجاهدون يقتفون آثارهم، يقتبسون من علمهم وينتفعون بفتاواهم، ولأنّهم كانوا ربّانيين فقد أضفى الله على أعمالهم وأقوالهم الكثير من نور الحق، حتى صارت ولأجيال متعاقبة نبراسا يُهتدى به في الظلمات.

والله إن إماما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لهو اليوم أغيظ لليهود والنصارى والمرتدّين والمبتدعة جميعا من مجموع هؤلاء العلماء الأحياء الأموات.

فبعد أن نصر الله المجاهدين وأيّدهم بالعلماء الأحياء بآثارهم وأعمالهم، الأموات بأبدانهم وأعيانهم، فماذا يضّرهم لو خذلهم العلماء الذين ماتت قلوبهم وبقيت بطونهم تشتغل؟

ثم إن الله قد منح ثلّة من المجاهدين حظّا من العلم وقدرا من المعرفة ونصيبا من الفهم، فهم في كلّ أمورهم يسدّدون ويقاربون ويرجون من الله التوفيق وهم - إن شاء الله - أهلا لتوفيقه وتأييده، ولو كانت بضاعتهم قليلة، لأنّهم من أهل الأمانة والصدق والديانة.

-فإن قالوا: إنّ الله لم يزدهم بسطة في العلم!

قلنا: يكفي أن الله زادهم بسطة في الإيمان، والرجل إذا كان من أهل الرشاد وفّقه الله في كل أموره يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... الآية} ، أمّا إذا كان من أهل الفساد؛ خذله الله وإن كان في فنّه عليما، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} .

قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال: (عبد الوهّاب الورّاق) ، قيل له: إنّه ليس له اتّساع في العلم! قال: (إنّه رجل صالح، مثله يوفّق لإصابة الحق) .

وسئل مرّة عن معروف الكرخي؟ فقال: (معه أصل العلم، خشية الله) .

فهذا الإمام أحمد رحمه الله يقرّر أن خشية الله، وطاعة الله، وتقوى الله هي أصل العلم لا قوة الحفظ وكثرة التأليف والكتابة أو فصاحة اللسان والقدرة على الخطابة.

فإصابة الحق مقرونة بالصلاح، وأيّ صلاح أعظم ممن بذل ماله وعرضه ونفسه حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كلّه لله؟ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} .

إن الذي يلتقي اليوم بالمجاهدين ويتحدّث إليهم؛ يدرك أنّه يقف أمام شباب أدّبهم الزمان فعلا، وعلّمتهم الحياة وصقلتهم الأحداث وأحكمتهم التجارب، حتى صاروا ينهون الذي كان بالأمس ينهاهم، فبارك الله في جهدهم وجهادهم ومساعيهم، ولا أشبع الله بطون مبغضيهم وشانئيهم.

وهذا لا يعني أبدا؛ أنّه لا يوجد علماء يدعون إلى الجهاد ويبصرون المجاهدين، ولكن كلّهم مضطهدين، فهم إما مسجونين أو مطاردين أو محاصرين إعلاميا، ما يكتبونه لا يُنشر وما يقولونه لا يُذاع، ولا حاجة لذكر الأسماء، فربما يكون ذلك سببا لزيادة البلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت