دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة).
وروى البيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في المعجم الكبير، وابن سعد في الطبقات، عن عبدالله بن إياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يصح ولا يسقم؟) ، قلنا: نحن يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مه؟!) ، وعرفناها في وجهه، فقال: (أتحبون أن تكونوا كالحمير الصيّالة؟) ، قال، قالوا: يا رسول الله لا، قال: (ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات؟) ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فوالله إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإن له عنده منزلة ما يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما يبلغ به تلك المنزلة) .
وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء) .
وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان في الدنيا، فيقول الله عز وجل: اصبغوه في النار صبغة، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل أصبت نعيمًا قط؟ هل رأيت قرة عين قط؟ هل أصبت سرورًا قط؟ فيقول: لا وعزتك! ثم يقول: ردوه إلى النار. ثم يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا، فيقول تبارك وتعالى: اصبغوه في الجنة صبغة ينصبغ فيها، ثم يؤتى يه فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئا قط أكرهه) .
قال شقيق البلخي: (من يرى ثواب الشدة لا يشتهي الخروج منها) .
والله عز وجل شرع الجهاد تكملة لشرائع الدين ورفع منزلته عاليًا حتى صار في ذروة التكليف الرباني، وجعل فيه شدة وبلاء تكرهه النفوس وتجبن عنده الطباع، ثم حببه وقربه من جوهر الإيمان ومكنون التوحيد، فلا يطلبه إلا صادق الإيمان قوي البرهان: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} .
فحقيقة الجهاد؛ قائمة على صقل النفس وتجريدها لربها وخالقها بفعل أوامره، والإقدام على وعوده، وهذا لا يكون إلا إذا حُف هذا الطريق بالشدائد والمحن، ولهذا يقول الله عز وجل: ولو يشاء الله لأنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل