الحرب لم تحقق كل أهدافها، سيما وأنّ الطرفين العراقي والإيراني نجحا في الحفاظ على قوى عسكرية هائلة؛ بها تمكن الطرفان من تقوية بناء جيشيهما وخصوصًا العراق والذي استفاد من التمويل السعودي والكويتي لترسانته العسكرية، وكان ذلك خارج نطاق المخطط (الصليبي - اليهودي) . وهنا تبرز المحطة الثانية وهي التخطيط لغزو الخليج، ولكن يجب أن يكون تحت مبرر مقبول، فكان دفع العراق إلى غزو الكويت والذي كان إيذانًا بنذر الأزمة وانفجارها.
ثانيًا: إنّ أمريكا (هي التي طلبت من دول الخليج رفع إنتاجها ليرخص السعر وتنهار العراق اقتصاديًا، وهي التي أبلغت العراق عن سرقة الكويت لحقل الرميلة وهي التي تحدثت وأنذرت من حشود عراقية باتجاه الكويت وهي التي أشاعت في بعض مصادرها الإعلامية أنّ الكويت موّلت مؤامرة عسكرية للإطاحة بصدام وأخيرًا أعطت صدام الضوء الأخضر لاقتحام الكويت) [1] كما جاء في محضر لقاء صدام حسين بالسفيرة الأمريكية في بغداد"إبريل غلاسبي".
ذلك أنّ اقتحام صدام حسين للكويت فتح الباب على مصراعيه لأمريكا لتتدخل سريعًا في الخليج العربي ولتحتل آبار النفط في الخليج والجزيرة، فأمريكا كانت تبحث منذ زمن بعيد عن إمكانيات احتمال قيامها بعمل عسكري ضد الدول المنتجة للنفط وخصوصًا السعودية وبقية دول الخليج، غير أنّ القيام بعمليات عسكرية أمريكية مستقلة للوصول إلى آبار النفط في المنطقة يتطلب قوات كبيرة وتكلفة عالية كان اللازم لسياسة أمريكا تجنب التكلفة العالية عند القيام بعملية عسكرية سريعة، فلم يكن إلاّ إعطاء الضوء الأخضر لصدام حسين لاقتحام الكويت، ليكون ذلك مبررًا لأمريكا لغزو الخليج وذريعة لها لاحتلال حقول النفط في الكويت، فالكويت بالنسبة لأمريكا ( .. تمثل صفقة مترابطة أكثر من غيرها. فحقولها النفطية يسهل الوصول إليها من ساحل الخليج. كما أنّ معظم منشآتها النفطية موجودة على الشاطئ. بالإضافة إلى أنّ سعة محطات التكرير الموجودة بها تعد من الأفضل في الشرق الأوسط. وتسهيلات الشحن أكثر من كافية. وإنتاجها البترولي اليومي يصل إلى 3,5 مليون برميل يوميًا، أي 80 % تقريبًا من إجمالي إنتاج العراق واتحاد الإمارات العربية معًا، ولو أنه يتجاوز بالكاد نصف الواردات الأمريكية الحالية) [2]
ثالثًا: كانت أمريكا تراقب التجمعات الجهادية النشطة في أفغانستان والشيشان وطاجيكستان وكشمير والفلبين، وكانت تخشى من امتداد جذورها إلى بقية الدول الآسيوية (باكستان وإندونيسيا) وأن توظف فعاليتها الجهادية في دول الخليج والجزيرة حيث كان جلّ الشباب المجاهد في أفغانستان والشيشان منها وخصوصًا من السعودية واليمن.
فاعتبرت أمريكا ذلك تهديدًا لمصالحها في المنطقة - مستقبلًا -، ففي نظرها أنّ تلك التجمعات الجهادية تشكل جسور المقاومة والتي قد تتجاوز حدود المناطق التي نشطت فيها لتهدد أمن دولة يهود، ولتتواصل مستقبلًا مع المجاهدين خارج نطاق السيطرة الأمريكية في أوربا وأفريقية بل كانت تخشى أن يمتدّ خطوط الجهاد إلى أمريكا نفسها، وهذا ما حصل فعلًا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م؛ ولذلك كان على أمريكا أن تقود تحالفًا عسكريًا عالميًا للقضاء على العناصر الجهادية النشطة في مراكز انطلاقها (أفغانستان، الشيشان، الفلبين، وكشمير) ، ولكن لتحقيق ذلك المسار الإستراتيجي الأمريكي كان على أمريكا توظيف مخططها تحت مسمى"الحرب على الإرهاب"ليكون ذلك أداةَ تدخل في كل
(1) (كشف الغمة عن علماء الأمة للشيخ سفر الحوالي، ص 68)
(2) (انظر: أمريكا تغزو الخليج - دراسات الكونجرس الأمريكي، ص 56 - ترجمة: وجيه راضي) .