ولذلك حرصت أمريكا والغرب عمومًا على إثارة هذه المشكلة تحديدًا لتركيا واقتنع الأتراك بسياسة تطويق الجيش التركي لشمال العراق وهو أمر لابد منه لتركيا تفاديًا لانفلات الأمر على الأقل في كردستان العراق، فضلًا عن الاحتمالات المرتقبة والتي يخشى الأتراك وحلفاؤهم في الناتو من وقوعها، وهذا هو السر في تضاعف الوجود الأمريكي في تركيا بعد أزمة الخليج الثانية وإلى يومنا هذا، مع أنّ في تركيا ما يقارب من عشرين قاعدةً لحلف الناتو مزود بأحدث ما توصلت إليه الآلية العسكرية الأمريكية من تقنية عالية من أجهزة رصد وإنذار واتصال وطائرات ومدرعات وأساطيل بحرية وجوية بل وحتى المستودعات النووية؛ مما يدل على أنّ هذه الضخامة من القوة العسكرية المترسنة في تركيا موجهة بدرجة رئيسة إلى الشرق الأوسط، ولا شك أنّ هدفها تطويق الخليج والجزيرة.
أهمّ أهداف شنّ الحرب على العراق:
أهداف أمريكا من شنّ الحرب على العراق (متعددة المرامي بعيدة الغايات ومتنوعة التكتيكات ويمكن إجمالها بما يلي:
إنّ الصحوة الإسلامية في العراق أخذت في السنوات الستة المنصرمة منحى جماهيريًا امتداديًا استطاع أن يتجاوز أسوار حزب البعث ويتغلغل بين أروقته، رغم حالات القمع التي تستخدمها السلطة ضده دون هوادة وهذا يعني أنّ حزب البعث بدأ يفقد شيئًا فشيئًا مسوغات وجوده، وخاصةً أنه لم يجد مفرًا في الأعوام الأخيرة من استخدام المصطلحات الإسلامية في أدبيات خطابه للجماهير في محاولات مستميتة لإبقاء التفافها حوله. وقد أخذ ذلك منحى الالتصاق بالإسلام السني لمقابلة الثقل الشيعي في جنوب العراق وبعض ضواحي بغداد. وإنّ الاستمرار على هذا النحو لن يكون في صالح تحقيق المخططات الأمريكية (النصرانية - اليهودية) ، بل سيكون مجهضًا لها. ولذلك فإنّ إسقاط نظام الحكم القائم الآن في بغداد سيبعثر هذه الأوراق ويخلط ترتيبها، وهو هدف قائم بذاته.
إنّ المخطط الشمولي الذي تبناه النصارى واليهود في مواجهتهم العالمية لنهوض العملاق الإسلامي وانتشار الصحوة الإسلامية في أرجاء المعمورة هو إرساء أنظمة حكم علمانية تحت مسمى الديمقراطية والتي تحت مظلتها ستكون الفرص متاحة لجميع التيارات غير الإسلامية والإسلامية (بشكل محدود) للمشاركة في الحكم. وستسعى الولايات المتحدة لتكون جميع البلدان في العالم، وخاصةً الأقطار الإسلامية محكومة بالدساتير البشرية، وباسم الديمقراطية ومن خلالها توضع القوانين والتشريعات التي تحول بين الإسلاميين وبين السيطرة على مفاتيح (اللعبة) . وبإدارة هذه المسرحية الدولية بمهارة فإنّ المنهج البشري سيبقى حاكمًا باسم الديمقراطية، والمنهج الرباني سيبقى منحصرًا باسم الديمقراطية، لأنّ الديمقراطية فوق الجميع ويحتكم إليها الجميع وتحكم على الجميع. ضمن هذا المنظار فإنّ الهدف الثاني من شنّ الحرب على العراق وإسقاط نظام الحكم القائم فيه هو إقامة نظام ديمقراطي يحقق الأغراض المنشودة.
تريد أمريكا أن يعرف العالم كله، حكومات وشعوبًا، أن تفرد الولايات المتحدة بالقوة العسكرية العاتية شيء معناه: أنّ على جميع تلك الحكومات والشعوب أن تنصاع للإرادة الأمريكية وتذل لسطوتها وتخضع لجبروتها، وأنّ العراق عندما تمرد على تلك الإرادة صببنا عليه جام غضبنا وهشمناه بمطرقتنا ليعلم الجميع عظم قوتنا وشدة قهرنا. تلك رسالة ثانية تتضمن معنى التأله تريد أمريكا إرسالها للمعنيين في أقطار الأرض (بعد أن أرسلت مثلها عبر أفغانستان) .