-هل هم بقية العصابة المجرمة من رجال الأعمال المتخمين بالمال الحرام الذين يمولون بثمن بخس حريق القاهرة الثاني؟ أم هم الذين لم يعد لديهم ما يُحصٍّلون به قوت يومهم؟
-هل هو أنت الذي لم تصبر مقدار ساعة من الزمن لتكتمل الفتنة حتى أنزلت حثالاتك إلى الشارع؟ أم هم الذين انخدعوا لساعات بخطابك وكادوا يبتلعون، على مضض، وعودك؟
لقد أثبت الرئيس، حتى لمن دافع عنه، أنه هو «المندس» الأكبر في الشعب المصري، كما أثبت النظام المصري بكل تركيبته السياسية والإعلامية والأمنية والعسكرية والأيديولوجية أنهم هم «المندسون» في صفوف الأمة. وهم المجرمون والمزورون واللصوص الذين لا يتقبلون إلا المعادلة إياها: «الأمن» للنظام، يفعل ما يشاء، وإلا فـ: «الحريق» للأمة حتى لو دافعت عن حقوقها ودينها. إذا لم يكن هذا الكلام يعجب أحدا من أبواق الأنظمة المتسلطة فلأنهم «مندسون» مثلهم، وإلا فالبديل أن يكون الشعب هو «المندس» ! ولعله البديل الملائم لمبارك وعصابته، ومن هم على شاكلتهم.
لا شك أن ما يقوم به النظام هو الجريمة بعينها ولا شيء سواها. ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تشتد المعاناة والضغوط من مرض وجوع وعطش وتشريد ومطاردات إلى أن تشق الفتنة طريقها إلى الشارع متسببة بالانقسام والتخبط على غير هدى. هذا هو واقع الثورات الكبرى .. وأولى بالمصريين، قبل غيرهم، أن يدركوا، وهم يدركون حقا، أن ما يقومون به هو ملحمة الأمة برمتها للانعتاق من هيمنة الغرب والصهيونية والكنيسة.
لذا من الخطأ الفادح أن يتصور البعض إمكانية تحقيق المطالب دون أن يتحمل القليل من المعاناة والخسائر، وبالكاد مضى عشرة أيام على الثورة. ومن الأفدح المفاضلة أو المفاصلة ما بين ضغط المعاناة، وهي واقعة دون مظاهرات، ولحظة التوق إلى انعتاق أمة .. أو ما بين الفتنة، وهي واقعة في الدين، والصبر .. أو ما بين الإحباط والأمل .. أو ما بين التخذيل والحاجة إلى النصرة .. ومن الخطأ القاتل أن يتراجع الشارع في أول اختبار مع النظام تحت ضغط البلطجية أو وقع مشاعر الغضب والحاجة أو حتى التوهم بدلا من الثبات والحزم. وإذا كان ما يجري في مصر يهم كل الأمة؛ وإذا كان المصريون موقنون بأنهم ليسوا وحدهم؛ وأن الأمة تفرح لفرحهم وتتألم لألمهم؛ وتتغنى بشجاعتهم وعزيمتهم، وتتأمل في ثورتهم الخير .. كل الخير، فمن المؤكد أن للتراجع تداعيات خطيرة على مستوى الأمة.
إذا مرت الفتنة، لا قدر الله، وخرج النظام من مأزقه فلن يسلم أحد من تصفية الحساب مع ماكينة القمع والقتل والخطف والحرب الشعواء على الشعب والإسلام والأمة إلى حين. أما إذا ثبت الشارع على مطالبه، بقطع النظر عن مواقف المعارضة، فقد تكون فرصة جديدة للتحرر من الطغاة والطغيان بأسرع ما يمكن. فحذار من لحظة ندم لا تنفع إذا وقع الشارع في فخ اختبارات «المندس» و «المندسين» .