النظام على احتواء الثورة سياسيا أو أمنيا. ولو أمعنا النظر جيدا في مسار الثورة السورية لتبين لنا قبضة الدولة ارتخت إلى حد كبير بسبب استنزاف النظام لكافة أوراقه الأمنية التي بدأت في استخدام قوى الأمن والشبيحة وانتهت بالدبابات والطائرات. فما الذي بقي للنظام ليستعمله ولم يفعل؟ وهل ثمة ما يبرر المخاوف؟
الثابت أن التوسع التدريجي للثورة جغرافيا وديمغرافيا يُحسب في صالح الثورة، التي لم تستهلك ذاتها، وليس عليها. فبالمقارنة مع الثورة اليمنية، التي تعاني جمودا رغم الكثافة البشرية الهائلة، تبدو وقائع الثورة السورية، في كل جمعة، كما لو أنها انطلقت للتو!!! فهي لم تستنفذ رصيدها الديمغرافي ولا رصيدها الجغرافي. فكيف لو انحازت ملايين دمشق وحلب إلى الثورة وخرجت على الشارع؟ فهل سيكون بمقدور النظام احتوائها.
المؤكد أنه لن يستطيع أبدا. ففي سوريا اليوم ثلاثة مناطق شبه محررة بالكامل. وهي حماه ودير الزور والبوكمال. فبعد مذبحة درعا التي خسر فيها السكان بحسب بعض الشهادات آلاف القتلى والجرحى، ممن دفنوا في مقابر جماعية، مقابل المئات من أفراد الشبيحة والجيش؛ نجحت هذه المدن بتحصين نفسها من الداخل كي لا تتكرر المأساة. فأغلقت الطرق بالمتاريس، ونشرت الحراسات واللجان الشعبية في الأزقة والشوارع، ونجحت في طرد أو تصفية العملاء والمخبرين فيها، ومنعت الأمن والجيش من اقتحامها، وهددت الرئيس السوري بمذبحة دموية إذا ما أقدم على اقتحامها. ثم زجت، وبقدر كبير من التحدي، بأكثر من مليون ونصف المليون في ساحاتها في الجمع السابقة، وسط هتافات وأهازيج في حماه (28) و دير الزور (29) ألهبت السوريين وكل من سمعها من العرب.
والحقيقة أن لهذه المناطق ميزات خاصة. إذ من غير المتصور بالنسبة لحماه أن تتكرر مذبحة عام 1982 التي ذهب ضحيتها نحو 40 ألفا من السكان. فللمدينة مع النظام جروح لا تندمل، وثارات عصية على النسيان. ولم تكن زيارة السفير الأميركي للمدينة لتضيف شيئا يذكر على واقع الحال. فلا هي استدعته ولا النظام منعه من الزيارة بقدر ما حاول استغلالها للطعن، عبثا، في نظافة الثورة السورية.
أما مناطق الدير، فالنظام يعرف قبل غيره، أنها مناطق الخط الأحمر الذي يصعب الاقتراب منه أو استفزازه. فالمنطقة محافظة جدا، وذات تركيبة قبلية على صلة وثيقة مع قبائل العراق من حيث المصاهرات، وحتى من حيث وجود السلاح التقليدي واستعماله، فضلا عن خبرة الأهالي في دروب المنطقة، وعلاقاتهم مع جماعات الجهاد في العراق لاسيما في منطقة الموصل. بل هي المنطقة الأكثر حصانة في أي صراع طائفي محتمل. ولعل في هذا ما يفسر إلى حد كبير سقوط بضعة شهداء في المنطقة طوال أشهر من الثورة، بخلاف المناطق الأخرى التي فقدت المئات من أبنائها في لحظات غدر مارستها قوى الأمن والشبيحة والفرقة الرابعة.
لكن، مقابل الثورة المدنية، ثمة ثورة خفية يديرها الجيش، وتلعب مع النظام بما يناسبه. ثورة وقائعها طاحنة دون أن يكون لأي طرف منها مصلحة في الإعلان عنها. هذه الثورة يدركها السوريون بأدق تفاصيلها،