ومساهماتها في حماية الثورة واستمراريتها تبدو شبه حاسمة، في ظل الغياب الكبير لدمشق وحلب عن فعالياتها المدنية. ومع أن بعض الفضائيات، وربما بعض مواقع الثورة السورية، تلقت شرائط مصورة عن عمليات نفذتها وحدات منشقة من الجيش ضد الفرق الموالية للنظام والشبيحة، إلا أنها لم تجد طريقها للنشر، بحجة رفض شرائط تحتوي على مشاهد دموية للشبيحة، أو بسبب الخشية من المساس بسلمية الثورة على المستوى الإعلامي، طمعا في كسب المزيد من التأييد الدول!!!
ثورة الجيش بدأت في الإعلان عن نفسها عبر سلسلة من الشرائط المرئية لجنود وضباط انشقوا عن وحداتهم أو أجهزتهم الأمنية. أما أول الانشقاقات (30) الكبرى فكانت في مدينة درعا لدى دخول الجيش إليها، ورفض بعض الوحدات في الفرقة الخامسة أوامر صدرت إليهم بإطلاق النار على السكان. وبطبيعة الحال فقد وقعت اشتباكات طاحنة بين الفرقة الرابعة ومنشقي الفرقة الخامسة أسفرت عن مذبحة في الجانبين. بل أن كتيبة من الفوج 16، المرابطة بالقرب من مدينة الضمير، تعرضت قبل يومين من انشقاقها لقصف جوي (26/ 6/2011) أسفر عن مقتل العشرات من ضباطها وجنودها. لكن يبدو أن حركة الانشقاق كانت من القوة بما يكفي للإعلان عن تشكيل الأنوية الأولى لـ «لواء الضباط الأحرار» في منطقة إدلب، خاصة بعد انشقاق وحدات أخرى خلال صدامات جسر الشغور ومعرة النعمان شمالا.
ولا شك أن انشقاق الجيش في منطقة البوكمال (31) كان له وقع الصدمة على النظام. فقد التحمت الوحدات المنشقة مع السكان (قرابة مائة عنصر من الاستخبارات الجوية، أعلى سلطة استخبارية في النظام) ، ووجهت مدافعها نحو الوحدات المهاجمة. ولا شك أيضا أن سكان المدينة نجحوا في طرد قوى الأمن والشرطة منها واستولوا على مخازن السلاح فيها. ومن جهتها حاولت الدولة حفظ ماء الوجه فقامت بإنزال جوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنها في النهاية اضطرت للدخول في مفاوضات مع مشايخ وأعيان المدينة لتسليم الأسلحة وعناصر الجيش. أما السكان الذين وافقوا على تسليم الأسلحة فقد رفضوا بشدة تسليم أي جندي للنظام أو توقيع أيا من أبنائهم على تعهدات بعدم التظاهر أو معارضة النظام.
والحقيقة أن أعنف المواجهات وقعت في مدينة حمص كانت ليلة الخميس (7/ 7/2011) ، قبل يوم من جمعة «لا للحوار» . ففي حين ظهرت حماه بأشد ما يكون التحدي، كانت حمص أشبه ما يكون بالبركان الثائر تحت الرماد. إذ سربت مصادر في الجيش معلومات تفيد بأن طائرات نقل إيرانية مدنية صغيرة هبطت في مطار حماة الصغير، وأفرغت حمولتها من المعدات والأسلحة والجنود للجيش السوري، وحذرت من أن المدينة قد تتعرض لمجزرة. وفعليا تلقت فضائيات عربية الخبر، لكنها امتنعت عن نشره. وبعد يومين اتجه الجيش السوري فعلا لمحاصرة حماة، ودخلت عناصر أمنية إلى المدينة وقتلت نحو 27 مواطنا من بينهم المنشد إبراهيم القاشوش. مع ذلك لم يكن الهدف مدينة حماه بل حمص.