النظام الجمهوري ووحدة وسلامة أراضي الجمهورية اليمنية حتى آخر قطرة من دمائنا .. وهذا القسم الذي أقسمناه هو قائم وسيستمر».
الطريف في تهديد الرئيس اليمني أنه جاء، كالعادة، خلال اجتماع لقادة القوات المسلحة ترأسه صالح بوصفه القائد الأعلى لهذه القوات. بمعنى أن الجيش والأجهزة الأمنية هي الورقة التي يراهن عليها الرئيس للاحتفاظ بنظام حكمه، رغم أن هذه القوات هي الأشد فسادا وعوزا في المؤسسات اليمنية قاطبة. أما لماذا يستعين بها ويراهن عليها فلأن كل تشكيلاتها الخاصة والعامة، وقياداتها بلا استثناء يديرها أبناءه وإخوته وأقاربه.
الأطرف في تصريحات الرئيس المطولة أنه اجترّ، كالعادة أيضا، ثقافة القذافي تجاه شعبه لكن بصورة ملطفة. فهو يتحدث عن شراذم وقوى خارجية ومؤامرات ومتطرفين وانفصاليين وبياعي كلام وفتن وعودة إلى التخلف وعهد الإمامة، وحتى عن غرفة عمليات في تل أبيب تدير الثورات العربية، بينما الطائرات الأمريكية لا تفارق سماء اليمن ليل نهار!!! وعملاء CIA ورفاقهم من الـ FBI يصولون ويجولون في شتى أنحاء اليمن بدعوة من الحكومة وإذن منها وترحيب واسع النطاق.
أما في ليبيا فقد صدر التهديد بالحرب الأهلية وإراقة الدماء عن القذافي وابنه سيف الإسلام في أول خطاباتهما بمحتوى صريح تقشعر له الأبدان. لكن التهديد هنا لا يستند إلى جيش، لم يعد موجودا فعليا منذ عشرين عاما، بل إلى كتائب أمنية صممت فقط لحماية النظام الليبي ومنع أي انقلابات أو تمردات عسكرية على القذافي.
ورغم وحشية التهديدات الليبية إلا أنها لا تأت من فراغ. فعلى المستوى الدولي لا زالت الولايات المتحدة والغرب يتلاعبان في التصريحات التي تدغدغ العواطف في حين أن فرض الغرب للعقوبات عبر مجلس الأمن لم يكن إلا ليؤشر، من طرف خفي، على منح القذافي مهلة كافية لإيجاد «توازن قوى» بينه وبين الشعب الليبي. هذا «التوازن» يحاول القذافي الوصول إليه عبر: (1) الاحتفاظ بما تبقى له من مناطق وقواعد عسكرية يدافع عن بقائها دفاعا مستميتا في مصراتة والزاوية القريبتين من طرابلس العاصمة، وعبر (2) شن هجمات خاطفة لاستعادة ما فقده أو تخويف الناس، وكذلك عبر (3) الإعلان المخادع عن هدنة أو حوار مزعوم مع الثوار، بين الحين والحين، لإيهام الرأي العام وخداع الليبيين بأن النظام الليبي لا يمكن هزيمته أو أنه مستعد للاستجابة نوعا ما.
لا شك أن هذا الوضع من «التوازن» بالغ الخطورة على الثورة الليبية وحتى على مستقبل ليبيا نفسه. فالقذافي شأنه شأن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة في التعلق المجنون بالسلطة. فقد كان بورقيبة يتذمر، على الدوام، من قلة عدد الشعب التونسي. وكان يرى بأنه جدير بحكم شعب قوامه 40 مليونا وليس خمسة ملايين فقط. وكذا الأمر فيما يتعلق بالقذافي الذي أعلن عن جماهيرية لم يكن عدد السكان فيها ليزيد عن مليونا إلا ببضعة عشرات من الآلاف!!! وقد لاحظنا كيف يعبر القذافي في خطاباته ليس عن هوس السلطة فحسب بل عن