باعتبارها مربط فرس الثورات العربية، فإن اعتراضها لا يمكن أن يكون، فقط، عبر حشود الفتاوى، التي غالبا ما تصب الزيت على النار، في تجاهلها مطالب الناس والدفاع عن حق الولاية، وتحريم الخروج عليها بأية حجة كانت.
إذا باتت الحروب الأهلية خيار الغرب في مواجهة الثورات لاحقا، فإن الفزاعة الطائفية ستكون قطعا خيار النظام السياسي. وهكذا تبدو الطائفية، وكأنها هبة السماء طالما أن لها، في السعودية، موطئ قدم راسخ عبر نسبة ديمغرافية تزيد عن 20%، وطالما أنها تستقوي بإيران. وهكذا أيضا يبدو تقاطع المصالح بين السعودية وإيران، ولو في صورته السلبية، في أزهى فتراته. أما بين الولايات المتحدة وإيران فهي في قرار مكين. أوَليس مثيرا للدهشة أن تصاب الولايات المتحدة بالعمى عما يجري في ليبيا، وتبدي عدم اكتراث طوال أسبوع، ولامبالاة حتى الآن، بينما تبدي قلقها الشديد تجاه أصحاب الشعارات الطائفية في البحرين، وترحب بالتغييرات الوزارية في الحكومة؟ وهل ستحتفظ بذات الموقف فيما لو انتقلت عدوى الثورة إلى السعودية؟
منطق الحسم
كل الآليات الغربية لاعتراض مسار الثورات يمكن وقفها وإحباطها في مهدها عبر حركة الشارع. أما في ليبيا، حيث التدخل الدولي مرفوض بأي شكل من الأشكال، فإن الورقة الأهم، في احتواء التدخل الغربي وعرقلة مساراته، تكمن في كسر معادلة «توازن القوى» التي يسعى إليها. ولا شك أن بشريات «الكسر» لاحت في الأفق بأسرع مما تخطط له الإدارات الغربية وأجهزة أمنها وفزاعاتها الأكاديمية. فالاحتجاجات لم تصل فقط إلى المدن الواقعة غرب ليبيا، بل أنها استوطنت في بعضها في حركة شعبية التفافية على العاصمة. أما المعادلة الواقعية فلسان حالها يقول: كلما تقدمت القوى الشعبية في المدن كلما ضاق الخناق على القذافي وقواته. هذه هي المعادلة الصحيحة وليست معادلة «التوازن» .
وفي إجمالي الحالة الثورية لا بد من القول أن صيرورة الحدث الثوري لا تبدو متاحة لأية اجتهادات، أكاديمية أو أمنية أو سياسية، إلا في مستوى العموميات. وهذا يعني استحالة وجود خطط مسبقة لاعتراض الثورات. إذ أن عمليات الكر والفر، ضد النظم السياسية، تفرضها حركة الشارع أكثر مليون مرة مما تفرضها التدخلات الدولية أو المحلية أو الإقليمية التي تكتفي فقط بقراءة مصطلحات القوى المتصارعة، ومن ثم توظيفها في خدمة المصالح الغربية، كما يفعل مركز «سترانفور» الذي يحاول تصعيد أطروحة التقسيم مستفيدا من تهديدات القذافي!!!! فمثلا في تونس كانت الشعارات الإسلامية خلال وقائع الثورة لا تكاد تذكر. بينما في مصر كان ثمة عواصف بين القوى الإسلامية على خلفية شرعية المشاركة من عدمها. أما في ليبيا، حيث نشط مركز «سترانفور» انطلاقا من ثورتها؛ فالمسألة بدت على النقيض تقريبا مما وقع في تونس أو مصر. فقد أجمع كل العلماء، بداية أو لاحقا، على وجوب خلع القذافي حتى بالجهاد المسلح. لذا لسنا ندري بالضبط كيف سيكون شكل ومحتوى الثورات القادمة في بلدان أخرى. ولسنا ندري إذا كانت ستلجأ إلى السلاح أم لا؟