فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 413

أو أعرابي، حتى غدا زواج الخليجي من غير أهل الجزيرة مستعصيا ومهينا لأهل الشام مثلا. وهذا الخليجي يشعر بنفرة ذات محتوى عنصري تجاه العرب المستعربين ... .

حتى اندلاع الثورات، وفي الأسابيع الأولى منها، كنا نسمع، أيضا، ذات المصطلحات من نوع: «دي بلدنا لازم نحافظ عليها! ... بلادنا وحرِّين فيها .. هذيا بلادنا واللي يحب يتعاطف معنا أهلا وسهلا، لكن منحبوش شكون يقول لينا ما نعمل!!! ما نحبش ندمر بلادنا .. هذه غرفة مصرية .. وهذه ليبية .. وهذه ... » وهكذا .. لكن ماذا يقول الفلسطيني المُهجَّر أو المُحاصَر أو الذي لا يعترف به أحد؟ ماذا يقول المعدمون من العرب ممن لا يجدون ما يفتخرون به أو يدافعون عنه أو حتى من ينظر إليهم من البشر ولو بقليل من العطف والرحمة؟ ماذا يفيد هؤلاء أن يكونوا مصريين أو سوريين أو مغاربة أو من الجزيرة العربية ممن لا يجدون مجرد لقمة عيش أو كرامة؟

هكذا شوهت النظم السياسية والفلسفات الغربية علاقات العرب فيما بينهم. وبكل وسيلة، سياسية أو أمنية أو إعلامية أو ثقافية ... زرعوا البغضاء والحقد والحسد والتحاسد فيما بينهم حتى صاروا يتربصون ببعضهم البعض وكأنهم ألد الأعداء الذين لا تجمعهم رابطة دموية ولا عقيدة إسلامية ولا تاريخ مشترك ولا لغة واحدة. الصحيح أن سايكس - بيكو حجبت عنا الحقيقة، وقتلت فينا المحبة، وحولتنا إلى مسوخ بشرية لا رابط بينها إلا العدوانية، وقيم العنصرية المستجلبة من الثقافات الغربية المنحطة، التي لا تخجل أن تتحدث عن حقول إنسان هي أول من أهدرتها.

لما صارت المواجهة مع الطغيان العربي والأجنبي مفتوحة على مصراعيها صرنا نلاحظ تقاربا عجيبا ليس بين العرب فحسب بل وبين المسلمين. لكن لما انفجرت الثورات العربية ظهرت العلاقات الحميمية بين الشعوب .. وتفجرت مشاعر الاعتزاز والفخر بين العرب وهم يرون شجاعة التونسي ونباهة المصري ورجولة الليبي وحكمة اليمني ووفاء السعودي وأمل الفلسطيني ... ولقد تفجر نوع آخر من العلاقات الحميمية التي يدعو فيها الكردي، بحرقة، على الطغاة والطغيان من أعماق قلبه .. ويتحسر فيها العربي لو أنه ليبي في بنغازي أو مصراتة أو الزاوية أو البريقة، أو مصري في قلب ميدان التحرير يناصح أهله وإخوانه ويدافع عنه ويشاركهم بطولاتهم وآمالهم وتطلعاتهم، أو يمني لم يجد بدا من أن يكون في قلب الحدث الليبي على طريقته .. وهو يتوعد رئيسه، بالويل والثبور، بعد الانتهاء من القذافي، ويصرخ في الجموع: «بعد القذافي» .

ثورات كشفت عن شعوب طيبة القلب .. نقية السريرة .. رائعة الخلق .. حلوة المعشر .. كريمة العطاء .. جزيلة التضحيات .. تتحرق للقاء والعناق .. تفيض بجبال من المشاعر الطاهرة والنبيلة .. شاب منها يلعن من فرق الأمة وداس كرامتها وحرمها من المحبة والتواصل وقطّع أواصرها .. امرأة تصرخ بأعلى صوتها: أنا أخت الرجال؛ فمن ينتصر لي؟ .. أخرى تقول: غدا، بعد أن ننتهي من هذا الطاغية سنزحف إلى فلسطين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت