فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 413

الطغيان

صحيح أن الاستعمار توارى عن الواجهة لكنه بقي كنظام سياسي وأمني يمارس النهب المنظم لموارد الأمة وثرواتها. ومع الثورات باتت الأمة تدرك أن الطغيان لا بد وأن يزول. ففي ظل النظم السياسية ساد الفساد وأصبحت له طبقات وشرائح وأحزاب وحركات وجماعات ومدارس وثقافات وجذور وعلماء ومفكرون وأكاديميون يشرعون له ويدافعون عنه. أما فكرة الإصلاح فقد غدت مستحيلة التحقق. إذ حين يحتكر رأس النظام كافة السلطات بيده فهذا مؤشر قاطع على أنه ما من سلطة في العالم العربي تحت المساءلة. وبالتالي ما من منطق يقنع الشارع بأية وعود تذكر.

هذه النظم تغولت وطغت وتجبرت وأُعطيت أكثر من وقتها، ولم تعد تتمتع بأية مصداقية أو شرعية تذكر. ما الذي أبقى القذافي طوال أربعة عقود وهو بكل هذا الجنون؟ سؤال عبثي!!! إلا إنْ كان الآخرون أصحاء!! فلو كان مختلفا عن غيره ومسيئا أكثر لما تعايشت معه ذات النظم التي ينطق اليوم باسمها، ويفعل ما لم تعد تجرؤ على إظهاره. كل ما في الأمر أنها فكرة آن أوانها. فكما آن أوان بن علي ومبارك فقد آن أوانه هو الآخر.

عجيب أمر الزعماء العرب. حتى هذه اللحظة لم يتعظ أيا منهم. ولعلهم على أحر من الجمر بانتظار صولة القذافي على شعب من أصلب الشعوب العربية وأشجعها لا يتواني القذافي عن وصفه بـ «الجراذين» و «القطط» التي تؤذي كلا منهم في بلاده. لقد سخر الناس من الرئيس التونسي في خطابه الذي ألقاه قبل فراره بساعات، حين قال: «فهمتكم .. فهمت العطَال والبطَال والمحتاج» !!! وكأنه لم يكن يفهم في حياته إلا لما طردوه شر طردة. وعجب الناس من صبر الرئيس المصري على سيل الإهانات التي تلقاها كلما خرج بخطاب يرفض فيه التنحي. لكن العجب الأكبر كان مع القذافي الذي نال من أشنع التوصيفات ما لم ينله مخلوق على وجه الأرض حتى الآن!!! ومع ذلك يخرج على فضائية أجنبية ويقول بكل وقاحة: «كلهم يحبوني» !!! ويرددها بلغة إنجليزية على شاكلته: They love me all!!!. هل فقد هؤلاء كل كرامة حتى يتمسكوا بهذه المنزلة المنحطة بين الناس وفي بطون التاريخ القادم؟ لسنا ندري كيف ينظر هؤلاء إلى أنفسهم بالمرآة؟ أي وجه يشاهدوه وقد اختفت ملامحه من هول الإهانات التي تعرض لها؟ حتى لو كان أحدهم زنديقا لا يعبأ إلا بلحظته؛ وحتى لو لم يؤمن برب ولا دين ولا حساب ولا عقاب؛ فكيف يحتمل هذه الوضاعة وبإمكانه أن يحيا عزيزا كريما؟

إذا تتبعنا تقارير الفساد، مع الكثير من التحفظ السلبي على الأرقام الواردة، لتبين لنا أن ثلث الناتج القومي العربي، بما يوازي ألف مليار دولار، نُهبت وأودِعت في مصارف الغرب وبنوكه خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وهي مبالغ قطعا لا تستفيد منها الأمة ولا بمقدار حمل بعير. ولو عاش النهابون في لَهْوٍ طوال عمرهم، وعلى مدار الدقيقة لما استنفذوها لخمسة أجيال أو حتى عشرة. وهذا يعني أن الغرب والصهيونية والقوى المعادية للأمة هي الوحيدة التي تستفيد منها. وهذا يعني أيضا أنهم فقط يكنزونها. ويحرمون الأمة من الانتفاع بها، وفي نفس الوقت يُحلِّون للغرب واليهود الاستحواذ عليها والانتفاع بها. فهل بقي من شرعية لهؤلاء؟ وهل يمكن الثقة بهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت