طاحنة في البلاد. ولا عن غضبة إيران على البحرين وهي تستنجد بالسعودية لوأد الفتنة الطائفية .. لكن لا مشعل ولا حسن نصر الله ولا أحمدي نجاد نبس ببنت شفة على الدم المسفوح في المدن السورية .. ولا على أقل المطالب المشروعة كتلك المنادية بالحرية أو بإلغاء قانون الطوارئ أو بإلغاء قانون رقم 49 الذي يسوق كل معارض إلى حبل المشنقة .. كما أنهم لم ينبسوا ببنت شفة على قتلى تزوير الانتخابات الإيرانية .. ولا على القمع الدموي والاعتقالات والإقامات الجبرية التي طالت رموز الاحتجاجات الإيرانية.
واضح أن هذه التصريحات وأمثالها تبنى على المصالح فقط .. ولا شأن لها بالعقائد، ولا حتى بالتاريخ، ولا بالصراع مع اليهود، ناهيك عن حقوق الأمة المهدورة منذ عشرات السنين، وحقوق الشعب السوري المصادرة فيما وراء الشمس .. وحقوق المنادين بوقف التزوير في إيران أو وضع حد لخرافات الدجل الرافضية .. ناهيك عن الضحايا وعذابات الناس ومنطق الحدث التاريخي الجبار الذي يكتسح الأمة العربية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.
لسوء ما صنعته التحالفات من مظالم فإن ما ينطبق فيها على الدول والحكومات والجماعات السياسية ينطبق قطعا على أبرز وسائل الإعلام العربية. وكنا نشعر كغيرنا، أن الإعلام العربي وخاصة قناة الجزيرة لن تستطيع الإفلات من القيود التي كبلت بها نفسها إلا إنْ تجاوزتها الأحداث. فالجزيرة التي انتفضت على الرئيس التونسي المخلوع، ومن بعده الرئيس المصري واليمني والليبي تبدو، اليوم، شبه عاجزة عن الانتصار للشعب السوري، الذي دفع في أيام ثورته الأولى ما يزيد عما دفعته تونس طوال شهر أصغافا مضاعفة. والأكيد أن التذرع بالقيود التي يفرضها النظام على الإعلام لا تبرر البرود البين للجزيرة تجاه الثورة السورية. فقد تعرضت الجزيرة للطرد من اليمن والحظر في ليبيا والإغلاق في مصر. لكن دائما كان ثمة حل .. ودائما كان ثمة تغطية ملائمة إلا في سوريا. فهل ثورات العرب حلال وثورة السوريين حرام؟
لا أحد يتمنى أن تتراجع الجزيرة عن مهمتها. لكن كيف يمكن لمن لم يعتدل في قول الحق أن يعتدل؟ .. وكيف يمكن لمن مايز بين حق وحق أن ينتصف؟ .. وكيف يمكن لمن غض الطرف عن جرائم حية أن ينتصر لضحايا غزة بعد تصريحات المحقق الدولي غولدستون، وتراجعه عن تقريره في تجريم إسرائيل بارتكابها جرائم حرب ضد الإنسانية؟ كيف يمكن لأمثال هؤلاء أن يصفعوا نتنياهو وبيرس وليبرمان وبقية قادة الدولة اللقيطة على وجوههم لقاء تصريحاتهم الوحشية بينما يعلنون وقوفهم إلى جانب نظام لا يقل عن إسرائيل وحشية فيما ارتكبه من جرائم بحق الأمة أو بحق شعبه؟ كيف يستقيم الدفاع عن حقوق شعب في بلد ما بينما يعوج في بلد آخر ينادي بذات الحقوق وأكثر منها؟
حقا!! الاستقامة تسبق الصلاة، وإلا فلا صلاة بين الشياطين!!! فالذين عادوا الأمة في زمن حسني مبارك هم أنفسهم الذين يحاربون الإسلام، ويقودون الثورة المضادة، في مصر، بذات الوحشية التي فعلوها من قبل .. والذين يفرطون بقليل من الحق لن يتوانوا عن التفريط في الكثير منه .. والذين يزاوجون بين الحق والباطل في