المعاهد والآثار التي تذكرنا بصفحة من أروع صحف العصور الوسطى.
ولقد شعرنا حين هبطنا البندقية أن يد التجديد قد صقلتها وأسبغت عليها مسحة من البهاء لم تكن لها من قبل، ووصلت كثيرًا من أحيائها وطرقاتها المائية باليابسة، وكان عهدنا بها أنك لا تستطيع التنقل فيها إلا (بالجندولا) ، فإذا بك اليوم تستطيع أن تقطعها سيرًا من المحطة إلى الميدان - ثم إلى أنحاء كثيرة منها؛ وإنك لتشهد اليوم هذا التجديد أينما حللت في إيطاليا؛ وتلك آثار الفاشستية بلا ريب، وآثار تلك الروح الإنشائية التي تنفث إلى إيطاليا حياة جديدة في كل شيء.
وأخيرًا انتهينا مساء إلى جنوة؛ وفي ضحى اليوم التالي ازدلفنا إلى الميناء فرحين باستقبال أول قطعة من أرض مصر؛ أجل هاهي ذي الكوثر تقف باسمة في ركن من خليج جنوة الكبير، وهاهو ذا العلم المصري الأخضر يخفق على ساريتها؛ وإنه لمنظر يبعث إلى الفخر والزهو أن ترى سفنًا مصرية صميمة تشق عباب هذه المياه؛ ولقد كان لمصر مدى العصور الوسطى بحرية عظيمة تجوس خلال هذا البحر، وكانت سفنها التجارية كثيرًا ما تمثل إلى البندقية وسرقوسة وجنوه، وكان للربابنة والبحارة السكندريين في تلك العصور شهرة خاصة؛ وكان لمصر أسطولها الحربي والتجاري إلى ما قبل زهاء قرن فقط، ولكن صروف الزمن حرمت مصر مدى قرن من امتطاء صهوة المياه؛ والآن يستأنف سيره، وتعود مصر فتسير سفنها في هذا العباب، وتعيد لنا النيل والكوثر سيرة غمرها النسيان دهرًا؛ فعسى أن تكون النيل والكوثر نواة بحرية مصرية تجارية عظيمة تملأ جوانب هذا البحر نشاطًا، وتملأ نفوسنا غبطة وفخرًا.
تلك الخواطر وعواطف تثيرها في النفس تلك السويعات الفريدة في حياتنا: سويعات يغمرها متاع التجوال وبهجة الجديد دائمًا، ويملأها شجن البعاد أحيانًا؛ على أنها ذكريات عزيزة في حياتنا نتطلع دائمًا إلى تجديدها. وإن العود إلى الوطن ليملأ اليوم نفوسنا غبطة وسعادة خصوصًا وأننا نعود إليه في مستهل عهد جديد يجيش بآمال وأماني جديدة؛ ولكن أمل العود إلى التجوال يهتف بنا في نفس الوقت لنجوز نفس المشاعر والظروف مرة أخرى.
(الباخرة كوثر في 13 سبتمبر)