معه، وآثرت الملاينة في أول الأمر وقلت: أسايره خطوة أو خطوات لأجره باللباقة والكياسة إلى حيث أريد من حيث لا يشعر هو. فكان يفطن إلى حيلتي في بعض الطريق فينبو في الزمام، فخطر لي أن المنطق والحجة لعلهما أجدى، فصرت أجادله بالتي هي أحسن ولكن بالبرهان والبينة، فكان يتململ ويتأفف ولا يكتم ضجره مني وكراهته للجاجتي، فضاق صدري يومًا وخرجت معه عن طوري - على ندرة ذلك جدًا - ولم أستطع أن أملك زمام نفسي، فأسمعته من رأيي فيه ما أعتقد أنه أوجع ما سمع في حياته، فما راعني إلا استخذاؤه وإلا أنه أذعن، وراح بعد ذلك يتقي أن يثير غضبي ويخشى بادرتي أشد الخوف. فاسترحت.
وقد يظن القارئ أني أشير بالتوقح على الناس وسوء الأدب معهم، وما أريد شيئًا من هذا، وإنما أقول أن احترامك لغيرك لا ينفي أو يمنع أن تحترم نفسك؛ ومن احترام النفس أن تكون صريحًا وحازمًا، والصراحة والجرأة ليس معناها قلة الأدب، فأنك تستطيع أن تذهب في الصراحة إلى أبعد مدى وأن تتحفظ مع ذلك بالأدب. ومتى عرف الناس فيك الصراحة ألفوا منك الشجاعة، اقتنعوا بذلك ووطنوا أنفسهم عليه وأعفوك من كثير مما تكره.
وقد قص عليّ بعضهم حكاية شاب اتخذت منه زوجته دابة، فهو لا يفعل إلا ما تأمر، ولا يخرج أو يدخل أو يقوم أو يقعد أو يأكل أو يشرب إلا إذ أذنت له، وقيل لي إنها هي التي تنتقي له ثيابه وتختار له ما يوائمها من قميص وربطة وحذاء إلى آخر ذلك. وتأمره فيصادق هذا ويخاصم أو يعادي ذاك، ويصل فلانًا ويقاطع فلانًا، فعجبت! وسألت محدثي: وماذا يخيفها منها؟ أهو يخشى أن تأكله إذا أعترض أو أبى أو تمرد على هذا السلطان؟ فهز محدثي رأسه ولم يستطع أن يذكر لي سببًا معقولًا. وما أزال إلى هذه الساعة عاجزًا عن تصور ما تستطيع هذه المرأة أن تصنع إذا أنتفض زوجها على هذا الاستبعاد؟ هي وقفة واحدة يقفها الرجل فلا يسع امرأته إلا أن تلزم حدها وتترك له حقه في نفسه. وهذه الوقفة لا تحتاج إلى ثورة، ولا تطلب أن تقوم قيامة البيت، بل لعل الهدوء أحجى وضبط الأعصاب أجدى. وما أظن امرأة تكبر رجلًا يكون عنانه في كفها الرخص، ولا شك أنها لا تنفك تحتال لتخضعه من حيث لا يشعر ولا يدري، والرجل الرشيد يدرك ذلك ولا يخفى عليه أنها تدور من ورائه لتحمله على ما تريد فيلين لها ليرضيها ويسعدها بالشعور بالنجاح